gocorporation
download
التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن - 3
423
عناصر المادة:

القاعدة السادسة عشرة

حذف جواب الشرط يدل على تعظيم الأمر وشدته في مقامات الوعيد

وذلك كقوله: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [السجدة: ١٢]، وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ [سبأ: ٥١]، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [البقرة: ١٦٥]، وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام: ٣٠]، وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام: ٢٧].فحذف الجواب في هذه الآيات وشبهها أولى من ذكره ليدل على عظمة ذلك المقام، وأنه لهوله وشدته وفظاعته لا يُعبر عنه، ولا يدرك بالوصف، ومثل قوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر: ٥]، أي: لما أقمتم على ما أنتم عليه من التفريط والغفلة واللهو).الشيخ: هذا واضح؛ حذف الشيء في مقام التعظيم يدل على شدته وهوله، وكذلك إبهامه وإجماله، مثل قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨]، فإن هذا يدل على أنه غشيهم أمر عظيم، وإلا لقال قائل: هذا تحصيل حاصل، غشيهم ما غشيهم، لكنه هذا من باب التعظيم وتفخيم الشيء.كذلك هذه الآيات التي فيها ذكر الشرط وحذف الجواب، كلها تدل على عظمة هذا الجواب.

***

الطالب:

القاعدة السابعة عشرة

بعض الأسماء الواردة في القرآن إذا أُفرد دل على المعنى العام المناسب له، وإذا قُرِن مع غيره دل على بعض المعنى، ودل على ما قُرِن معه على باقيه

ولهذه القاعدة أمثلة كثيرة؛ منها: الإيمان.الشيخ: هذا أظن مر علينا كثيرًا، الكلمة إذا أفردت عَمَّت، وإذا قُرن معها غيرها خصت، فيقال: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. طالب: (...).الشيخ: اسمع، اسمع.

***

الطالب: منها: الإيمان، أُفرد وحده في آيات كثيرة، وقُرن مع العمل الصالح في آيات كثيرة، فالآيات التي أُفرد فيها يدخل فيه جميع عقائد الدين وشرائعه الظاهرة والباطنة.ولهذا يرتب الله عليه حصول الثواب، والنجاة من العقاب، ولولا دخول المذكورات ما حصلت آثاره.وهو عند السلف: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.والآيات التي قُرِن الإيمان فيها بالعمل الصالح كقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧]، يفسَّر الإيمان فيها بما في القلوب من المعارف والتصديق، والاعتقاد والإنابة، والعمل الصالح بجميع الشرائع القولية والفعلية.وكذلك لفظ: (البر) و(التقوى)، فحيث أُفرِد البر دخل فيه امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وكذلك إذا أُفْرِدت التقوى؛ ولهذا يرتب الله على البر وعلى التقوى عند الإطلاق: الثواب المطلق، والنجاة المطلقة، كما يرتبه على الإيمان.وتارة يفسر أعمال البر بما يتناول أفعال الخير وترك المعاصي، وكذلك في بعض الآيات تفسير خصال التقوى، كما في قوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]، إلى آخر ما ذكره من الأوصاف التي تتم بها التقوى.وإذا جمع بين البر والتقوى مثل قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢]، كان البرُّ اسمًا جامعًا لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة، وكانت التقوى اسمًا جامعًا يتناول ترك جميع المحرمات.وكذلك لفظ (إثم) و(عدوان)، إذا قُرنت فُسِّر الإثم بالمعاصي التي بين العبد وبين ربه، والعدوان بالتَّجَرِّي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وإذا أفرد (الإثم) دخل فيه كل المعاصي التي تُؤثّم صاحبها، سواء كانت بينه وبين ربه، أو بينه وبين الخلق، وكذلك إذا أُفرد (العدوان).وكذلك لفظ: (العبادة) و(التوكل)، ولفظ: (العبادة) و(الاستعانة)، إذا أفردت العبادة في القرآن تناولت جميع ما يحبه الله ويرضاه ظاهرًا وباطنًا، ومن أول ما يدخل فيها: التوكل والاستعانة، وإذا جُمع بينها وبين التوكل والاستعانة، نحو: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]..طالب آخر: (...).الشيخ: إذا أطلق البر شمل الدين كله، يجوز إذا كانت هذه اللفظة.

***

الطالب: نحو: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣]، فُسرت العبادة بجميع المأمورات الباطنة والظاهرة، وفُسِّر التوكل باعتماد القلب على الله في حصولها وحصول جميع المنافع ودفع المضار، مع الثقة التامة بالله في حصولها.وكذلك (الفقير) و(المسكين) إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، كما في أكثر الآيات، وإذا جمع بينهما كما في آية الصدقات: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠].فُسِّر (الفقير) بمن اشتدت حاجته، وكان لا يجد شيئًا، أو من يجد شيئًا لا يقع منه موقعًا، وفسر (المسكين) بمن حاجته دون ذلك.ومثل ذلك الألفاظ الدالة على تلاوة الكتاب والتمسك به، وهو اتباعه، يشمل ذلك: القيامَ بالدين كله، وإذا قرنت معه الصلاة كما في قوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت: ٤٥]، وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الأعراف: ١٧٠].كان ذكر الصلاة تعظيمًا لها وتأكيدًا لشأنها، وحثًّا عليها، وإلا فهي داخلة في الاسم العام، وهو التلاوة والتمسك به، وما أشبه ذلك من الأسماء.طالب آخر: (...).الشيخ: نعم يشمل كل إحسان، يشمل الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى الخلق.طالب: (...).الشيخ: نعم، هذا وغيره، أمثلة كثيرة.

***

الطالب:

القاعدة الثامنة عشرة

في كثير من الآيات يخبر الله بأنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وفي بعضها: يذكر مع ذلك الأسباب المتعلقة بالعبد، الموجبة للهداية أو الموجبة للضلال، وكذلك حصول المغفرة وضدها، وبسط الرزق وتقديره

وذلك في آيات كثيرة، فحيث أخبر أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقتره على من يشاء، دل ذلك على كمال توحيده..طالب آخر: ويقدره على..الشيخ: يقتره، عندك يقدره؟ يعني: يضيق.الطالب: دل ذلك على كمال توحيده وانفراده بخلق الأشياء، وتدبير جميع الأمور، وأن خزائن الأشياء بيده، يعطي ويمنع ويخفض ويرفع، فيقتضي مع ذلك من العباد أن يعترفوا بذلك، وأن يعلقوا أملهم ورجاءهم به في حصول ما يحبون منها، وفي دفع ما يكرهون، وألا يسألوا أحدًا غيره، كما في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» إلى آخره.وفي بعض الآيات يذكر فيها أسباب ذلك، ليعرف العباد الأسباب والطرق المفضية إليها، فيسلكوا النافع ويدعوا الضار، كقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ٥، ١٠].فبيِّن أن أسباب الهداية والتيسير تصديق العبد لربه وانقياده لأمره، وأن أسباب الضلال والتعسير ضد ذلك.وكذلك قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ [المائدة: ١٦]، يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة: ٢٦]، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف: ٣٠].فأخبر أن الله يهدي من كان قصده حسنًا، ومن رغب في الخير، واتبع رضوان الله؛ وأن الله يُضِل من فسق عن طاعة الله وتولى أعداءه من الشياطين، ورضي بولايتهم عن ولاية رب العالمين.وكذلك قوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: ١١٠].وكذلك يذكر في بعض الآيات الأسبابَ التي تُنال بها المغفرة والرحمة، ويُستحَق بها العذاب، كقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه: ٨٢]، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧]، إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦]، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣].ثم ذكر الأسبابَ التي تنال بها المغفرة والرحمة، وهي خصال التقوى المذكورة في هذه الآية وغيرها: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة: ٢١٨]، وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [الإسراء: ٤٥].الشيخ: هذه الآية عظيمة؛ يعني لو قال لنا قائل: أنا أرجو رحمة الله، وأخاف عذاب الله، ننظر هل هو من هؤلاء المتصفين بهذه الصفات؟ إن كان ذلك فهو صادق، وإن كان غير ذلك فإنه ممن تمنى على الله الأماني؛ لأن الله قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة: ٢١٨]، أما تيجي تقول: أنا أرجو رحمة الله ولا تصلي، ما يصير هذا، فالذي يرجو رحمة الله حقيقة لا بد أن يسعى لها.

***

الطالب: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٤]، وأعم من ذلك كله قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: ١٣٢].فطريق الرحمة والمغفرة سلوك طاعة الله ورسوله عمومًا، وهذه الأسباب المذكورة خصوصًا، وأخبر أن العذاب له أسباب متعددة، وكلها راجعة إلى شيئين: التكذيب لله، والتولي عن طاعة الله ورسوله، كقوله تعالى: لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الشمس: ١٥، ١٨]، إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه: ٤٨].وكذلك يذكر أسباب الرزق، وأنه لزوم طاعة الله ورسوله، والسعي الجميل مع لزوم التقوى، كقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣].وانتظار الفرج والرزق، كقوله: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق: ٧].وكثرة الذكر والاستغفار: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود: ٣]، واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [نوح: ١٠، ١١] الآية.فأخبر أن الاستغفار سبب يُستجلب به مغفرة الله ورزقه وخيره، وضد ذلك سبب للفقر والتيسير للعسرى؛ وأمثلة هذه القاعدة كثيرة، قد عرفت طريقها، فالزمه.

القاعدة التاسعة عشرة

خَتْم الآيات بأسماء الله الحسنى يدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم الكريم.

وهذه قاعدة لطيفة نافعة، عليك بتتبعها في جميع الآيات المختومة بها، تجدها في غاية المناسبة، وتدلك على أن الشرع والأمر والخلق كله صادر عن أسمائه وصفاته.الشيخ: شوف القاعدة التاسعة عشرة: خَتْم الآيات بالأسماء الحسنى يدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم الكريم، الحكم المذكور؛ يعني الذي عُقِّب بالاسم، يدل على أن له تعلقًا بذلك الاسم، عرفتم؟ مثل: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]، فإن قطع اليد يتناسب مع عزة الله وحكمته، عرفتم؟ فهذه أيضًا يمكن المؤلف يشير لها بعدين.إذا ختمت الآية باسم من أسماء الله فإن حكم ذلك يتعلق بما يدل عليه ذلك الاسم.

***

الطالب: وتدلك على أن الشرع والأمر والخلق كله صادر عن أسمائه وصفاته، ومرتبط بها.وهذا باب عظيم من معرفة الله، ومعرفة أحكامه من أجل المعارف وأشرف العلوم.تجد آية الرحمة مختومةً بأسماء الرحمة، وآيات العقوبة والعذاب مختومة بأسماء العزة والقدرة والحكمة والعلم والقهر.ولا بأس هنا أن نتتبع بعض الآيات الكريمة في هذا، ونشير إلى مناسبتها بحسب ما وصل إليه علمنا القاصر، وعبارتنا الضعيفة، ولو طالت الأمثلة هنا؛ لأنها من أهم المهمات، ولا تكاد تجدها في كتب التفسير إلا يسيرًا منها.فقوله تعالى: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٩].ذكرُ إحاطة علمه بعد ذكر خلقه للأرض والسماوات يدل على إحاطة علمه بما فيهما من العلوم العظيمة، وأنه حكيم حيث وضعها لعباده، وأحكم صنعها في أحسن خلق وأكمل نظام، وأن خلقه لها من أدلة علمه، كما قال في الآية الأخرى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].فخلقه للمخلوقات من أكبر الأدلة العقلية على علمه، فكيف يخلقها وهو لا يعلمها؟ولما ذكر كلامَ الملائكة..طالب آخر: (...)؟الشيخ: إي، قلنا: هذا (...) ليس بخط المؤلف.

***

الطالب: ولما ذكر كلامَ الملائكة حين أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة، ومراجعتهم لربهم في ذلك، فلما خلق آدم وعلمه أسماء كل شيء، وعجزت الملائكة عنها وأنبأهم آدم بها: قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: ٣٢]، فاعترفوا لله تعالى بسعة العلم، وكمال الحكمة، وأنهم مخطئون في مراجعتهم في استخلافه في الأرض.وفي هذا: أن الملائكة على عظمتهم وسعة معارفهم بربهم اعترفوا بأن علومهم تضمحل عند علم ربهم، وأنه لا علم لهم إلا منه، فختم هذه الآيات بهذين الاسمين الكريمين، الدالين على علم الله بآدم، وتمام حكمته في خلقه، وما يترتب على ذلك من المصالح المتنوعة: من أحسن المناسبات.وأما قوله عن آدم: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧].وختمه كثيرًا من الآيات بهذين الاسمين بعد ذكر رحمته ومغفرته، وتوفيقه وحلمه، فمناسبته جَلِيَّة لكل أحد، وأنه لما كان هو التواب الرحيم، أقبل بقلوب التائبين إليه، ووفقهم لفعل الأسباب التي يتوب عليهم ويرحمهم بها، ثم غفر لهم ورحمهم، فتاب عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة والأسباب، وتاب عليهم ثانيًا حين قبل مثابهم، وأجاب سؤالهم، ولهذا قال في الآية الأخرى: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨]؛ أي: أقبل بقلوبهم عليه، فإنه لولا توفيقه وصرف قلوبهم إلى ذلك لم يكن لهم سبيل إلى ذلك، حين استولت عليهم النفس الأمارة فإنها لا تأمر إلا بالسوء، إلا من رحم الله، فأعاذه منها ومن نزغات الشيطان.ولما ذكر الله النسخ أخبر عن كمال قدرته وتفرده بالملك، فقال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٠٦، ١٠٧].وفي هذا رد على من أنكر النسخ كاليهود، وأن نسخه لِمَا ينسخه من آثار قدرته وتمام ملكه، فإنه تعالى يتصرف في عباده، ويحكم بينهم في أحكامه القدرية وأحكامه الشرعية، فلا حجر عليه في شيء من ذلك، ولما قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]؛ أي: واسع الفضل، وواسع الملك، جميع العالم العلوي والسفلي داخل في ملكه، ومع سعته في ملكه وفضله فهو محيط علمه بذلك كله، ومحيط علمه بالأمور الماضية والمستقبَلة، ومحيط علمه بما في التوجه إلى القِبْلة المتنوعة من الحكمة..الشيخ: إلى القِبَل.الطالب: إلى القِبَل المتنوعة من الحكمة.طالب آخر: (...).الشيخ: أيش بعد؟الطالب: (...).الشيخ: بما في التوجه إلى القِبْلة؟ فيه عندك إلى القبلة المتنوعة؟ أنا عندي: إلى القِبَل المتنوعة، القِبَل جمع قِبْلَة، كحكم جمع حكمة، والمعنى أن الناس كانوا في أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة يصلون إلى بيت المقدس، فهو قبلة، ثم نسخ إلى بيت الله الحرام فصار قبلة، فلله الحكمة في كونه سبحانه وتعالى أقرهم أو أذن لهم أو شرع لهم في أن يصلوا إلى بيت المقدس أول ما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم نسخ ذلك.

***

الطالب: ومحيط علمه بنيات المستقبلين لجهة من الجهات إذا أخطؤوا قبلة معينة، فحيث تيمم المصلي تيمم إلى وجه ربه.وأما قول الخليل وإسماعيل، عليهما السلام، وهما يرفعان القواعد من البيت: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧]، فإنه توسل إلى الله بهذين الاسمين إلى قبول هذا العمل الجليل، حيث كان الله يعلم نياتهما ومقاصدهما، ويسمع كلامهما، ويجيب دعاءهما، فإنه يراد بالسميع في مقام الدعاء -دعاء العبادة ودعاء المسألة- معنى المستجيب، كما قال الخليل في الآية الأخرى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم:٣٩].الشيخ: إذن، هذه فائدة إذا جاء اسم الله السميع في مقام الدعاء، سواء جاء على المسألة أو جاء على العبادة، فهو بمعنى الإجابة أو الاستجابة، فمنه في دعاء العبادة: سمع الله لمن حمده، فإن الحامد يدعو الله سبحانه وتعالى بعبادته، فمعنى: سمع الله لمن حمده؛ أي: استجاب إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم:٣٩]، هذا دعاء المسألة، فمعنى سميع؛ أي: مجيب الدعاء.طالب: (...)؟الشيخ: لا، إذا كان في مقام الدعاء فهو بمعنى الاستجابة، وإلا لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران: ١٨١] هذا مقيد، ومع ذلك فهو (...).طالب: (...).الشيخ: إذا جاء لفظ السميع في مقام الدعاء -سواء كان دعاء مسألة أو دعاء عبادة- فهو بمعنى الاستجابة.

***

الطالب: وأما خَتْم قوله: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْبقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩]، أي: فكما أن بعثك لهذا الرسول فيه الرحمة السابغة، ففيه تمام عزة الله وكمال حكمته، فإنه ليس من حكمته أن يترك الخلق سدى عبثًا، لا يرسِل إليهم رسولًا، فحقق الله حكمته ببعثه؛ لئلا يكون للناس على الله حجة، والأمور كلها؛ قدريها وشرعيها، لا تقوم إلا بعزة الله، ونفوذ حكمه.وقد يكتفي الله بذكر أسمائه الحسنى عن التصريح بذكر أحكامها وجزائها، لينبه عباده أنهم إذا عرفوا الله بذكر الاسم العظيم، عرفوا ما يترتب عليه من الأحكام.مثل قوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ، لم يقل: فلكم من العقوبة كذا، بل قال: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٠٩]؛ أي: فإذا عرفتم عزته، وهو قهره وغلبته، وقوته وامتناعه، وعرفتم حكمته، وهو وضعه الأشياء مواضعها، وتنزيلها محالها، أوجب لكم الخوف من البقاء على ذنوبكم وزللكم؛ لأن من حكمته معاقبة من يستحق العقوبة: وهو المصر على الذنب مع علمه، وأنه ليس لكم امتناع عليه، ولا خروج عن حكمه وجزائه، لكمال قهره وعزته.وكذلك لما قال:إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، لم يقل: فاعفوا عنهم، أو اتركوهم ونحوها، بل قال: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]؛ يعني: فإذا عرفتم ذلك وعلمتموه، عرفتم أن من تاب وأناب فإن الله يغفر له ويرحمه، فيدفع عنه العقوبة.ولما ذكر عقوبة السارق قال في آخرها: نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]؛ أي: عز وحكم فقطع يد السارق، وعز وحكم فعاقب المعتدي شرعًا وقدرًا وجزاء.ولما ذكر مواريث الوَرَثَة وقدرها قال: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١١].فكونه عليمًا حكيمًا يعلم ما لا يعلم العباد، ويضع الأشياء مواضعها، فاخضعوا لما قاله، وفصَّله في توزيع الأموال على مستحقيها، الذين يستحقونها بحسب علم الله وحكمته، فلو وَكَلَ العبادَ إلى أنفسهم، وقيل لهم: وزعوها أنتم بحسب اجتهادكم لدخلها الجهل والهوى، وعدم الحكمة وصارت المواريث فوضى، وحصل بذلك من الضرر ما الله به عليم، ولكن تولاها وقسمها بأحكم قسمة وأوفقها للأحوال، وأقواها للنفع، ولهذا من قدح في شيء من أحكامه، أو قال: لو كان كذا وكذا فهو قادح في علم الله وفي حكمته، ولهذا يذكر الله العلم والحكمة بعد ذكر الأحكام، كما يذكرها في آيات الوعيد ليبين للعباد أن الشرع والجزاء مربوط بحكمته، غير خارج عن علمه.ويختم الأدعية بأسماءٍ تناسب المطلوب، وهذا من الدعاء بالأسماء الحسنى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، أي: تعبَّدوا لله بها، واطلبوه بكل اسم مناسب لمطلوبكم.وقوله تعالى: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج: ٥٩].والآيات المتتابعة التي بعدها، كل واحدة ختمت باسمين كريمين، فالأول منها..طالب آخر: حَلِيمٌما عندنا.الشيخ: لا، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ.الطالب: فالأول منها هذه..الشيخ: هذه أيضًا ثمان آيات كلها ختمت باسمين من أسماء الله، في سورة الحج، معكم المصحف؟ في آخرها آخر ثمن منها.طالب: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ [الحج: ٦٠].طالب آخر: (...).الشيخ: وأيش اللي قبلها، لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج: ٥٨، ٥٩]، هذه واحدة، اللي بعده، ثنتان، عد، الآيات اللي بعدها؟الطالب: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [الحج: ٦٠].الشيخ: هذه ثنتان، اللي بعده؟الطالب: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج: ٦١].الشيخ: هذه ثلاثة.الطالب: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: ٦٢].الشيخ: هذه أربعة.الطالب: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [الحج: ٦٣].الشيخ: خمسة.الطالب: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحج: ٦٤].الشيخ: ستة.الطالب: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحج: ٦٥].الشيخ: سبعة، (...)، سبع في اثنين بأربعة عشر، كل آية مختومة؛ يعني ما في القرآن آيات متتابعة ختمت باثنين من أسماء الله، هذه سبع آيات متتابعة، كل آية ختمت باسمين من أسماء الله.طالب: ما كررت هذه؟الشيخ: ما كررت.

***

الطالب: والآيات المتتابعة التي بعدها، كل واحدة ختمت باسمين كريمين، فالأول منها ختمها بالعلم والحلم يقتضي علمه بنياتهم الجميلة، وأعمالهم الجليلة، ومقاماتهم الشامخة، فيجازيهم على ذلك بالفضل العظيم، ويعفو ويحلم عن سيئاتهم فكأنهم ما فعلوها.وختم الثانية بالعفو الغفور، فإنه أباح المعاقبة بالمثل، وندب إلى مقام الفضل، وهو العفو وعدم معاقبة المسيء، وأنه ينبغي لكم أن تتعبدوا لله بالاتصاف بهذين الوصفين الجليلين لتنالوا عفوه ومغفرته.طالب آخر: (...)؟الشيخ: للاتصال.

***

الطالب: وختم الآية الثالثة بالسميع البصير، يقتضي سمعه لجميع أصوات ما سكن في الليل والنهار، وبصره بحركاتهم على اختلاف الأوقات وتباين الحالات.وختم الآية الرابعة بالعلي الكبير؛ لأن علوه المطلق وكبرياءه وعظمته ومجده، تضمحل معها المخلوقات ويبطل معها كل ما عبد من دونه؛ وبإثبات كمال علوه وكبريائه، يتعين أنه هو الحق وما سواه باطل.وختم الآية الخامسة باللطيف الخبير، الدالين على سعة علمه وخبرته بالبواطن، كالظواهر، وبما تحتوى عليه الأرض من أصناف البذور وألوان النباتات، وأنه لطيف بعباده، حيث أخرج لهم أصناف الأرزاق، بما أنزله من الماء النَّمير، والخير الغزير.وختم الآية السادسة بالغني الحميد، بعد ما ذكر ملكه في السماوات والأرض، وما فيهما من المخلوقات، وأنه لم يخلقها حاجة منه لها، فإنه الغني الغِنَى المطلق، ولا ليتكمَّل بها، فإنه الحميد الكامل، وليدلهم على أنهم كلهم فقراء إليه من جميع الوجوه؛ وأنه حميد في أقداره، حميد في شرعه، حميد في جزائه، فله الحمد المطلق ذاتًا وصفات وأفعالًا.وختم السابعة بالرءوف الرحيم، أي أن من رأفته ورحمته تسخيره المخلوقات لبني آدم وحفظ السماوات والأرض وإبقاءها لئلا تزول، فتختل مصالحهم. ومن رحمته سخر لهم البحار لتجري في منافعهم ومصالحهم، فرحمهم حيث خلق لهم المسكن، وأودع فيه كل ما يحتاجونه، وحفظه عليهم وأبقاه.ولما ذكر في سورة الشعراء قصص الأنبياء مع أممهم، ختم كل قصة بقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ٦٨]، فإن كل قصة تضمنت نجاة النبي وأتباعه، وذلك برحمة الله ولطفه، وإهلاك المذنبين له، وذلك من آثار عزته.وقد يتعلق مقتضى الاسمين بكل من الحالتين، فإنه نجى الرسول وأتباعه بكمال قوته وعزته ورحمته، وأهلك المكذبين بعزته وحكمته، ويكون ذكر الرحمة يقتضي عِظم جرمهم، وأنه لولا أن جرمهم تعاظم وسدوا على أنفسهم أبواب الرحمة ولم يكن لهم طريق إليها، لما حل بهم العقاب.وأما قول عيسى عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنهم عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨].ولم يقل: أنت الغفور الرحيم، فإن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، وإنما هو مقام غضب وانتقام ممن اتخذه إلها مع الله، فناسب ذكر العزة والحكمة، فصار أولى من ذكر الرحمة.طالب آخر: (...)؟الشيخ: لا، هذه من كيسك.الطالب: (...).الشيخ: عقاب المذنبين؟ الطالب: (...)؟الشيخ: (فإنه نجى الرسول وأتباعه بكمال قوته وعزته ورحمته، وأهلك المكذبين بعزته وحكمته)، هذه؟

***

الطالب: مقامات الرجاء: أن يذكر أسباب الرحمة وأسباب العقوبة، ثم يختمها بما يدل على الرحمة، مثل قوله: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ١٢٩].وقوله: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: ٧٣].وإليها ينتهي كل من وُجِد فيه أدنى سبب من أسباب الرحمة، وبهذا يخرج من النار من كان في قلبه أدنى حبة خردل من الإيمان، ولنقتصر على هذه الأمثلة، فإنه يعرف بها صفة الاستدلال بذلك.الشيخ: الخلاصة هذه، الآن، أن تتضمن هذه القاعدة -في الحقيقة- قاعدتين، أو قاعدة واحدة لها وجهان؛ الأول أن ختم الآية باسم من أسماء الله تعالى لا يكون إلا مناسبًا لذلك الحكم بالحكم الذي ختم بهذين الاسمين، مثل، يعني أبرز مثال لذلك: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨].وقد مر عليكم اعتراض الأعرابي على القارئ الذي قرأ: (نكالا من الله والله غفور رحيم)، ولا يخرج عن هذه القاعدة شيء إلا لسبب، مثل: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنهم عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨]، قد يقول قائل: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، لكن لما كان هنا المقام مقام عزة وكمال تصرف إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنهم عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.فهؤلاء لهم حالات؛ إما عذاب، وإما رحمة ومغفرة، فلهم ما تقتضيه العزة والحكمة لعنادهم واستكبارهم، والحاصل أنه لا يخرج عما تدل عليه الآية من الحكم إلى شيء من أسماء الله ليس مناسبًا لذلك الحكم إلا لسبب وفاعل.الوجه الثاني من هذه القاعدة، أو القاعدة الثانية، أن ختم الآية باسم من أسماء الله يدل على أن الحكم مطابق لذلك الاسم، فهذا الوجه غير الوجه الأول، فمثلا: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْكان الإنسان يتوقع أن يقال: ستسقط عنهم العقوبة، لكنه لم يقل هكذا، وإنما قال: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]؛ أي: فقد سقط عنهم الحد بمقتضى مغفرة الله ورحمته.ومن ذلك قوله تعالى في الْمُولِي: فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]؛ لأن فيأهم إلى زوجاتهم مما يحبه الله ويكون سببًا للمغفرة والرحمة، وأما عزمه الطلاق فهو أمر ليس محبوبًا إلى الله، ولهذا قرنه بما يفيد، أو يشير إلى نوع من العقوبة، فقال: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، هذا هو مجمل هذه القاعدة.طالب: (...) المعرف بأل أو غير المعرف؟الشيخ: المعرف بأل يدل على ملاحظة أصل الصفة، مثل الفضل والعفاف، مثل: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ٢٠٠]، وفي آية أخرى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦]، فالآيتان سواء في اللفظ وفي كل شيء، إلا في التعريف في سميع وعليم، فتكون الآية الأولى لوحظ فيها مطلق الصفة، والثانية لوحظ فيها كمال الصفة.طالب: (...).الشيخ: لا يجوز، إذا بلغت الحدود السلطان فلا بد من إقامتها، وتحرم الشفاعة فيها. الطالب: (...)؟الشيخ: تهم بس؟ طالب: تهم أو (...)؟الشيخ: إذا حقق يجب أن يقام عليه -مع احترامي يا أخي- ما يقتضيه الفعل في الجريمة.طالب: (...)؟الشيخ: ولو لم يعط، إلا لو جاء هذا الرجل تائبًا ونادمًا، فإن للإمام أن يسقط عنه الحد أو العقوبة، له أن يسقط عنه العقوبة، وأما الحد فلا بد من إقامته.

***

الطالب:

القاعدة العشرون

القرآن كله محكم باعتبار، وكله متشابه باعتبار، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث

وقد وصفه الله تعالى بكل واحدة من هذه الأوصاف الثلاثة، فوصفه بأنه محكم في عدة آيات، وأنه: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١].ومعنى ذلك: أنه في غاية الإحكام ونهاية الانتظام فأخباره كلها حق وصدق لا تناقض فيها ولا اختلاف، وأوامره كلها خير وبركة وصلاح، ونواهيه متعلقة بالشرور والأضرار والأخلاق الرذيلة والأعمال السيئة فهذا إحكامه.ووصفه بأنه متشابه في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر: ٢٣]، أي: متشابهًا في الحسن والصدق والحق، ووروده بالمعاني النافعة المزكية للعقول، المطهرة للقلوب، المُصلحة للأحوال، فألفاظه أحسن الألفاظ ومعانيه أحسن المعاني.ووصفه بأن مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: ٧]، فهنا وصفه بأن بعضه هكذا أو بعضه هكذا، أو أن أهل العلم بالكتاب يردون المتشابه منه إلى المحكم، فيصير كله محكمًا، ويقولون: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]؛ أي: وما كان من عنده فلا تناقض فيه فما اشتبه منه في موضع فسره الموضع الآخر المحكم، فحصل العلم وزال الإشكال.ولهذا النوع أمثلة، منها ما تقدم من الإخبار بأنه على كل شيء قدير، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فإذا اشتبهت على من ظن به خلاف الحكمة وأن هدايته وإضلاله يكون جزافًا بغير سبب وضحت هذا الإطلاق الآيات الأُخَر الدالة على أن هدايته لها أسباب، يفعلها العبد، ويتصف بها، مثل قوله: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلام [المائدة: ١٦].وأن إضلاله لعبده لها أسباب من العبد، وهو توليه للشيطان، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنهم اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّه [الأعراف: ٣٠].فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥].وإذا اشتبهت على الجبري الذي يرى أن أفعال العباد مجبورون عليها، بينتها الآيات الأُخَرُ الكثيرة الدالة على أن الله لم يجبر العباد، وأن أعمالهم واقعة باختيارهم وقدرتهم، وأضافها إليهم في آيات غير منحصرة.كما أن هذه الآيات التي أضاف الله فيها الأعمال إلى العباد حسنها وسيئها، إذا اشتبهت على القدرية النفاة، فظنوا أنها منقطعة عن قضاء الله وقدره، وأن الله ما شاءها منهم ولا قدرها، تليت عليه الآيات الكثيرة الصريحة بتناول قدرة الله لكل شيء من الأعيان والأعمال والأوصاف، وأن الله خالق كل شيء.ومن ذلك: أعمال العباد، وأن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين.وقيل للطائفتين: إن الآيات والنصوص كلها حق، ويجب على كل مسلم تصديقها والإيمان بها كلها، وأنها لا تتنافى فهي واقعة منهم وبقدرتهم وإرادتهم، وأن الله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم.وما أجمل في بعض الآيات فسرته آيات أُخَر، وما لم يتوضح في موضع توضح في موضع آخر.وما كان معروفًا بين الناس وورد فيه القرآن آمرًا أو ناهيًا، كالصلاة والزكاة والزنى والظلم، ولم يفصله، فليس مجملًا؛ لأنه أرشدهم إلى ما كانوا يعرفون، وأحالهم على ما كانوا به متلبسين، فليس فيه إشكال بوجه، والله أعلم.الشيخ: هذه القاعدة، فبين فيها المؤلف أن القرآن وصفه الله تعالى بأنه مُحْكَم، وبأنه متشابه، وبأنه جامع بينهما محكم ومتشابه، فعلى المعنى الأول: محكم؛ أي: مُتْقَن، فأخباره صِدْق، وأحكامه عدل.لأن الخلل في الخبر يكون بمخالفة الصدق، والخلل في الحكم يكون بمخالفة العدل؛ ولهذا قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥].إذن، كله محكم من هذا الوجه، محكم أي أيش؟ متقن في أخباره، وفي أحكامه، ففي أخباره نقول: كلها صدق ليس فيها كذب، وفي أحكامه: كلها عدل ليس فيها جور ولا ظلم بوجه من الوجوه.ونزيد أيضًا -بالنسبة لشريعة الإسلام المحمدية- أن أحكامه كلها يسر، ليس فيها مشقة، كما قال الله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧].وصفه بأنه متشابه؛ أي: يشبه بعضه بعضًا في الكمال، والجودة، في الأسلوب، في البلاغة، في الصدق، في العدل، في النفع، في كل شيء، فبعضه يشبه بعضًا لا يخالفه أبدًا ولا يناقضه.(...) بين أمرين؛ الإحكام والتشابه، فمعنى الإحكام هنا: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ [آل عمران: ٧].أي: واضحات، جليات، فالإحكام هنا بمعنى الإيضاح والبيان، والمتشابه: هو الخفي؛ خفي المعنى الذي لا يتبين وجه صوابه إلا للراسخين في العلم؛ ولهذا قال: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧]؛ يعني: وأما الراسخون في العلم فيقولون: آمنا به، ويعلمون منه ما يخفى على غيرهم، وهنا محط النزاع، ومحك الأفكار، وموضع الاختبار، فإن من الناس من إذا رأى مثل هذه النصوص المتشابهه التي ظاهرها يخالف بعضًا، أخذ منها سببًا للطعن في القرآن الكريم، وقال: إن هذا القرآن يتناقض.لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، ثم يقول: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، إذا كان سميعًا بصيرًا فقد ماثل من له سمع وبصر، إذن فيه اشتباه.وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٦]، يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢]، ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢]، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦].فمثل هذه الآيات يقول قائل: شوف هذا تناقض؟ هم قالوا: وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، ويقول في الآية الأخرى: وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًاوالذي حلف أنه مشرك كاتم ولَّا لا؟ كاتم، بل حالف على ذلك: والله ما أشركت، وهو كاذب، فهذا تناقض.من يقول هذا؟ الذين في قلوبهم زيغ يقولون هذا.هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ [المرسلات: ٣٥] مع أن الله ذكر في آيات أخرى أنهم ينطقون وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢] إذن هذا، أيش؟ تناقض، يقول ذلك من في قلبه زيغ، فتجد الزائغين -والعياذ بالله- يتبعون هذا المتشابه، إذن نقول: هو على هذا المعنى أو على هذا الوجه الثالث المحكم: ويش تعريفه؟ الواضح البين، والمتشابه: الخفي الذي لا يتبين إلا للراسخين في العلم.فإن قلت: ما الحكمة في أن الله عز جل يجعل هذا؟ لماذا لم يكن القرآن كله محكمًا ظاهر المعنى بيّنًا؟قلت: الحكمة في ذلك الامتحان والاختبار؛ لأن الزائغين يتخذون من ذلك مطعنًا للقرآن ليبرروا لأنفسهم الكفر به والعياذ بالله، وأما الراسخون في العلم فيتخذون من هذا بيانًا للحكمة، حكمة الله عز وجل في جعل القرآن على هذين الوجهين محكمًا ومتشابهًا حتى يحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.وهذا كما نراه الآن في الشرع أو في كلمات الله الشرعية يكون أيضًا في كلمات الله الكونية، قد يأتي رجل إلى صاحب قبر ويقول: يا ولي الله، يا سيدي، يا مَلْجَئِي يا مُسْتغاثي، أنقذ ولدي من المرض، فإذا ذهب إلى البيت وجد ولده قد برئ، فيه اشتباه أن الذي أجاب دعوته هذا الولي صاحب القبر، لكن عندما يأتي مثل هذه الحال إلى الراسخين في العلم يقولون: لا يمكن أن يكون هذا من صاحب القبر؛ لأن صاحب القبر هو الله؟! دون الله، والله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [النحل: ٢٠]، لاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ [الأعراف: ١٩٢]، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥].فيقول الراسخون في العلم: نحن نعلم علم اليقين أن هذا ليس من دعاء هؤلاء، ولكنه فتنة من الله عز وجل، حصل عند دعاء هؤلاء، لا بدعاء هؤلاء.

***

القاعدة الحادية والعشرون: القرآن يجري في إرشاداته مع الزمان والأحوال في أحكامه الراجعة للعرف والعوائدالطالب:

القاعدة الحادية والعشرون

القرآن يجري في إرشاداته مع الزمان والأحوال في أحكامه الراجعة للعرف والعوائد

وهذه قاعدة جليلة المقدار، عظيمة النفع، فإن الله أمر عباده بالمعروف، وهو ما عرف حسنه شرعًا وعقلًا وعرفًا، ونهاهم عن المنكر، وهو ما ظهر قبحه شرعًا وعقلًا وعرفًا.وأمر المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصفهم بذلك. فما كان من المعروف لا يتغير في الأحوال والأوقات كالصلاة والزكاة، والصوم والحج، وغيرها من الشرائع الراتبة، فإنه أمر به: في كلٌ في وقت، والواجب على الآخِرِين نظير الواجب على الأولين من هذه الأمة، وما كان من المنكر لا يتغير كذلك بتغير الأوقات كالشرك والقتل بغير حق والزنا وشرب الخمر ونحوها، ثبتت أحكامه في كل زمان ومكان، لا تتغير ولا يختلف حكمها.وما كان يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال، وهو المراد هنا.فإن الله تعالى يردهم فيه إلى العرف والعادة والمصلحة المتعينة في ذلك الوقت.وذلك أنه أمر بالإحسان إلى الوالدين بالأقوال والأفعال، ولم يعين لعباده شيئًا مخصوصًا من الإحسان والبر؛ ليعم كل ما تجدد من الأوصاف والأحوال، فقد يكون الإحسان إليهم في وقت غير الإحسان في الوقت الآخر، وفي حق شخص دون حق الشخص الآخر.فالواجب الذي أوجبه الله: النظر في الإحسان المعروف في وقتك ومكانك، في حق والديك.ومثل ذلك: ما أمر به من الإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب ونحوهم، فإن ذلك راجع في نوعه وجنسه وأفراده إلى ما يتعارفه الناس إحسانًا.وكذلك ضده من العقوق والإساءة..طالب آخر: (...)؟الشيخ: إذا كان بمعنى المغاير فهو بالفتح، وإذا كان بمعنى المتأخر فهو بالكسر، اليوم الآخر؛ يعني المتأخر، وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ [التوبة: ١٠٦]؛ يعني: مغايرون لهؤلاء.الطالب: ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ [الشعراء: ١٧٢]؟الشيخ: الآخرين دي غيرها، غير هؤلاء.

***

الطالب: ومثل ذلك: ما أمر به من الإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب ونحوهم، فإن ذلك راجع في نوعه وجنسه وأفراده إلى ما يتعارفه الناس إحسانًا.وكذلك ضده من العقوق والإساءة ينظر فيه إلى العرف.وكذلك قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ١٩]، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٢٨]، فرد الله الزوجين في عشرتهما وأداء حق كل منهما على الآخر على المعروف المتعارف عند الناس في قطرك وبلدك وحالك.وذلك يختلف اختلافًا عظيمًا، لا يمكن إحصاؤه عدًّا. فدخل ذلك كله في هذه النصوص المختصرة، وهذا من آيات القرآن وبراهين صدقه، وقال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١]..طالب آخر: (...) قريب معين من القرابة (...) يكفيه هذا؟الشيخ: يعني إذا تعارف الناس أن هذه صلة هذا الرجل، أن هذه صلته، يكفي؛ لأن الله أمر بالصلة وأطلق، فيرجع فيها إلى ما سماه الناس صلة؛ لأن المقصود من الصلة زوال ما في القلوب وائتلاف القلوب، فإذا كان هذا الرجل قد وطّن نفسه على أن صاحبه أو قريبه لا يزوره إلا في يوم العيد أو في الأسبوع أو ما أشبه ذلك ما صار قطيعة.طالب: شيخ قلنا قبل: (...) يعني يعتبر هذا أفضل من اللي لا يزورون كل مرة، لكن ربما (...)؟الشيخ: لا، ما يكفي هذا، إذا قيل: إن هذا مقصر في الصلة؛ فهذا تقصير، أما إذا قال: لا، هذه عادة الناس، بعض الناس عاد ما ييجي أبدًا.طالب: (...)؟الشيخ: إي، ما يخالف، ما فيه شيء، ما دام أنه أطلق صلة، ويكفي ما عده الناس صلة فهو صلة، أما ما كان قطعًا لا يأتي إليهم أبدًا، ولا بمناسبات، ولا يعرفهم، ولو مرضوا أو ماتوا ما يدري عنهم، هذه قطيعة.طالب: (...)؟الشيخ: راجع في نوعه وجنسه؟ النوع يختلف: فيه أحد تصله بدراهم، وهنا أحد تصله بثوب، وهنا أحد تصله بقلم، حسب الأفراد، حسب الجنس، لو تيجي مثلًا لواحد كبير عظيم غني تروح تعطيه مئة ريال؟ ويش يسوي؟ يدفعك على وجهك، ولو تعطيها قريبًا فقيرًا صار يقول: الله يعافيك.والأول يمكن لو تجيب له طاقية زينة مزخرفة ومنقشة يكون هذا صلة ولَّا لا؟ أي نعم، وهي ما تسوى عشرة آلاف، فلكل مقام مقال، هذا معنى قوله: نوعه وجنسه وأفراده.طالب: (...).الشيخ: لا، لا، ما دل الشرع على تحريمه فهذا لا يمكن؛ يعني لو أن الناس قالوا: نحن تعارفنا بأن ابنة العم تصافح ابن عمها بيدها، ولو قالت له: هذا حرام، وكفت يدها لزعل وغضب، ويش نقول؟ الشيء الذي نص الشرع على تحريمه ما يمكن أن يتواصل الناس به أبدًا.طالب: (...)؟الشيخ: المهم إذا كان الذي يعتبرونه صلة محرمًا في الشرع فهذا لا عبرة له.

***

الطالب: وقال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١]، يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا [الأعراف: ٢٦]، فأمر عباده بالأكل والشرب واللباس، ولم يعين شيئًا من الطعام والشراب واللباس، وهو يعلم أن هذه الأمور تختلف باختلاف الأحوال، فيتعلق بها أمره حيث كانت، لا ينظر إلى ما كان موجودًا منها وقت نزول القرآن فقط. وكذلك قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠]، ومن المعلوم أن السلاح والقوة الموجودة وقت نزول القرآن غير نوع القوة الموجودة بعد ذلك، فهذا النص يتناول كل ما يستطاع من القدرة في كل وقت بما يناسبه ويليق به.وكذلك لما قال تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: ٢٩]، لم يعين لنا نوعًا من التجارة ولا جنسًا، ولم يحدد لنا ألفاظًا يحصل بها الرضا، وهذا يدل على أن الله أباح كل ما عد تجارة ما لم ينه عنه الشارع، وأن كل ما حصل به الرضا من الأقوال والأفعال انعقدت به التجارة، فما حقق الرضا من قول أو فعل، انعقدت به المعاوضات والتبرعات، وكم في القرآن من هذا النوع شيء كثير.

***

طالب آخر: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى:

القاعدة الثانية والعشرون

في مقاصد أمثلة القرآن

اعلم أن القرآن الكريم احتوى على أعلى وأكمل وأنفع المواضيع التي يحتاج الخلق إليها في جميع الأنواع، فقد احتوى على أحسن طرق التعليم، وإيصال المعاني إلى القلوب بأيسر شيء وأوضحه.فمن أنواع تعاليمه العالية: ضرب الأمثال، وهذا النوع يذكره الباري في الأمور المهمة، كالتوحيد، وحال الموحد، والشرك، وحال أهله، والأعمال العامة الجليلة، ويقصد بذلك كله توضيح المعاني النافعة، وتمثيلها بالأمور المحسوسة؛ ليصير القلب كأنه يشاهد معانيها رأي عين، وهذا من عناية الباري بعباده ولطفه.فقد مثّل الله الوحي والعلم الذي أنزله على رسوله في عدة آيات بالغيث والمطر النازل من السماء، وقلوب الناس بالأراضي والأودية، وإن عمل الوحي والعلم في القلوب كعمل الغيث والمطر في الأراضي، فمنها: أراضٍ طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ والعشب الكثير، كمثل القلوب الفاهمة التي تفهم عن الله ورسوله وحيه وكلامه، وتعقله، وتعمل به علمًا وتعليمًا بحسب حالها؛ كالأراضي بحسب حالها.ومنها أراضٍ تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، فينتفع الناس بالماء الذي تمسكه فيشربون ويسقون مواشيهم وأراضيهم، كالقلوب التي تحفظ الوحي من القرآن والسنة وتلقيه إلى الأمة، ولكن ليس عندها من الدراية والمعرفة بمعانيه ما عند الأولين، وهؤلاء على خير، ولكنهم دون أولئك، ومنها أراضٍ لا تمسك ماءً ولا تنبت..طالب آخر: المعنى يا شيخ؟ الشيخ: لأن هؤلاء الآخرين بمنزلة الصيادلة، والأولين بمنزلة الأطباء، ومعلوم أن انتفاع الناس بالأطباء أكثر من انتفاعهم بالصيادلة، فحُفَّاظ الحديث مثلًا ورواة الحديث الذين ليس عندهم فقه وعلم هم بمنزلة هؤلاء، مثل الأرض التي يصيبها المطر، لكنها لا تنبت إنما تحفظ الماء، فمن جاء استقى وشرب وانتفع، وأما أهل العلم والفقه فإنهم كالأراضي الخصبة التي تنبت فينتفع الناس بها.

***

الطالب: ومنها: أراضٍ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، كمثل القلوب التي لا تنتفع بالوحي لا علمًا ولا حفظًا ولا عملًا، ومناسبة الأراضي للقلوب كما ترى في غاية الظهور.وأما مناسبة تشبيهه الوحي بالغيث فكذلك؛ لأن الغيث فيه حياة الأرض والعباد وأرزاقهم الحسية، والوحي فيه حياة القلوب والأرواح ومادة أرزاقهم المعنوية.وكذلك مثّل الله كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فكذلك شجرة التوحيد ثابتة بقلب صاحبها معرفة وتصديقًا وإيمانًا وإرادة لموجبها، وتؤتي أكلها -وهو منافعها- كل وقت من النيات الطيبة والأخلاق الزكية، والأعمال الصالحة، والهدْي المستقيم، ونفع صاحبها وانتفاع الناس به، وهي صاعدة إلى السماء بإخلاص صاحبها وعلمه ويقينه.ومثّل الله الشرك والمشرك بأن من اتخذ مع الله إلهًا يتعزز به، ويزعم منه النفع ودفع الضر في ضعفه ووهنه، كالعنكبوت اتخذت بيتًا، وهو أوهن البيوت وأوهاها، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا إلى ضعفها.كذلك المشرك ما ازداد باتخاذه وليًّا ونصيرًا من دون الله إلا ضعفًا؛ لأن قلبه انقطع عن الله، ومن انقطع قلبه عن الله حلّه الضعف من كل وجه، وتعلقه بالمخلوق زاده وهنًا إلى وهنه، فإنه اتكل عليه وظن منه حصول المنافع، فخاب ظنه وانقطع أمله، وأما المؤمن فإنه قوي بالله بقوة إيمانه وتوحيده وتعلقه بالله وحده، الذي بيده الأمر والنفع ودفع الضرر، وهو متصرف في أحواله كلها، كالعبد الذي على صراط مستقيم في أقواله وأفعاله، منطلق الإرادة حرًّا عن رق المخلوقين، غير مقيد لهم بوجه من الوجوه، بخلاف المشرك فإنه كالعبد الأصم الأبكم الذي هو كَلٌّ على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير؛ لأن قلبه متقيد للمخلوقين مُسْتَرق لهم، ليس له انطلاق وتصرف في الخير، فمثله أيضًا كالذي خر من السماء فتخطفته الطيور ومزقته كل ممزق. وهؤلاء الذين زعموا أنهم آلهة ينفعون ويدعون، لو اجتمعوا كلهم على خلق أضعف المخلوقات، وهو الذباب، لم يقدروا باجتماعهم على خلقه، فكيف ببعضهم؟! فكيف بفرد من مئات الألوف منهم؟!وأبلغ من ذلك أن الذباب لو يسلبهم شيئًا لم يقدروا على استخلاصه منه ورده، فهل فوق هذا الضعف ضعف؟ وهل أعظم من هذا الغرور الذي وقع فيه المشرك شيء؟ وهو مع هذا الغرور وهذا الوهن والضعف متقسِّم قلبه بين عدة آلهة، كالعبد الذي بين الشركاء المتشاكسين، لا يتمكن من إرضاء أحدهم دون الآخر، فهو معهم في شر دائم وشقاء متراكم، فلو استحضر المشرك بعض هذه الأحوال الوخيمة لربأ بنفسه عمّا هو عليه، ولعلم أنه قد أضاع عقله ورأيه بعدما أضاع دينه، وأما الموحّد فإنه خالص لربه، لا يعبد إلا إياه ولا يرجو و يخشى إلا هو، وقد اطمأن قلبه واستراح، وعلم أنه على الدين الحق، وأن عاقبته أحمد العواقب، ومآله الخير والفلاح والسعادة الأبدية، فهو في حياة طيبة، ويطمع في حياة أطيب منها.ومثَّل الله الأعمال بالبساتين، فذكر العمل الكامل الخالص له الذي لم يعرض له ما يفسده كبستان في أحسن المواضع وأعلاها، تنتابه الرياح النافعة، وقد ضَحَى وبرز للشمس، وفي خلاله الأنهار الجارية المتدفقة، فإن لم تكن غزيرةً فإنها كافيةٌ له كالطلّ الذي ينزل من السماء، ومع ذلك فأرضُه أطيب الأراضي وأزكاها، فمع توفر هذه الشروط لا تسأل عما هو عليه من زَهاءِ الأشجار وطيب الظلال ووفور الثمار، فصاحبه في نعيم ورغد متواصل، وهو آمن من انقطاعه وتلفه، فإن كان هذا البستان لإنسان قد كبر وضعف عن العمل، وعنده عائلة ضعاف لا مساعدة منهم ولا كفاءة، وقد اغتبط به حيث كان مادته ومادة عائلته، ثم إنه جاءته آفة وإعصار أحرقه وأتلفه عن آخرهم.

الطالب: الرزق ونزول المطر، وهو الذي يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته، وأعم من ذلك كله قوله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس: ٦٢، ٦٤].
وهي كل دليل وعلامة تدلهم على أن الله قد أراد بهم الخير، وأنهم من أوليائه وصفوته، فيدخل فيه الثناء الحسن والرؤيا الصالحة، ويدخل فيه ما يشاهدونه من اللطف والتوفيق، والتيسير لليسرى، وتجنيبهم العسرى.
ومن ذلك -بل من ألطف ذلك- أن يجعل الشدائد مبشِّرة بالفرج.

الشيخ: لأن الله يقول: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥، ٧] ويقول: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: ٤]، فإذا رأيت الأمور متيسرة لك، ومتسهلة، وأن الله يقدر لك الخير حتى وإن كنت لا تحتسبه، فهذه لا شك إنها بشرى، وإذا رأيت الأمر بالعكس فصحح مسارك فإن فيك بلاء.
طالب: ربما يكون يا شيخ الأول استدراجًا من الله؟
الشيخ: لا، استدراج هذا إذا كنت مقيمًا على معصيته، والنعم ما تكون استدراجًا إلا لمن أقام على معصية الله، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ [الأعراف: ١٨٢]، أما إذا كانت من المؤمن فليست استدراجًا.
طالب: (...).

***

الطالب: ومن ذلك -بل من ألطف ذلك- أنه يجعل الشِّدَّات مبشرة بالفرج، والعسر مؤذنًا باليسر.
وإذا تأملت ما قصه عن أنبيائه وأصفيائه، وكيف لما اشتدت بهم الحال، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب.
رأيت من ذلك العجب العجاب.
وقال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥، ٦]، سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق: ٧]، وقال صلى الله عليه وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» ، وأمثلة ذلك كثيرة، والله أعلم.

القاعدة السادسة عشرة: حذف جواب الشرط يدل على تعظيم الأمر وشدته في مقامات الوعيد
00:03:29

القاعدة السادسة عشرة

حذف جواب الشرط يدل على تعظيم الأمر وشدته في مقامات الوعيد

وذلك كقوله: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [السجدة: ١٢]، وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ [سبأ: ٥١]، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [البقرة: ١٦٥]، وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام: ٣٠]، وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام: ٢٧].
فحذف الجواب في هذه الآيات وشبهها أولى من ذكره ليدل على عظمة ذلك المقام، وأنه لهوله وشدته وفظاعته لا يُعبر عنه، ولا يدرك بالوصف، ومثل قوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر: ٥]، أي: لما أقمتم على ما أنتم عليه من التفريط والغفلة واللهو).

الشيخ: هذا واضح؛ حذف الشيء في مقام التعظيم يدل على شدته وهوله، وكذلك إبهامه وإجماله، مثل قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨]، فإن هذا يدل على أنه غشيهم أمر عظيم، وإلا لقال قائل: هذا تحصيل حاصل، غشيهم ما غشيهم، لكنه هذا من باب التعظيم وتفخيم الشيء.
كذلك هذه الآيات التي فيها ذكر الشرط وحذف الجواب، كلها تدل على عظمة هذا الجواب.

***

القاعدة السابعة عشرة: بعض الأسماء الواردة في القرآن إذا أفرد دل على المعنى المناسب له، وإذا قرن مع غيره دل على بعض المعنى، ودل ما قرن معه على باقيه
00:05:06

الطالب:

القاعدة السابعة عشرة

بعض الأسماء الواردة في القرآن إذا أُفرد دل على المعنى العام المناسب له، وإذا قُرِن مع غيره دل على بعض المعنى، ودل على ما قُرِن معه على باقيه

ولهذه القاعدة أمثلة كثيرة؛ منها: الإيمان.

الشيخ: هذا أظن مر علينا كثيرًا، الكلمة إذا أفردت عَمَّت، وإذا قُرن معها غيرها خصت، فيقال: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
طالب: (...).
الشيخ: اسمع، اسمع.

***

الطالب: منها: الإيمان، أُفرد وحده في آيات كثيرة، وقُرن مع العمل الصالح في آيات كثيرة، فالآيات التي أُفرد فيها يدخل فيه جميع عقائد الدين وشرائعه الظاهرة والباطنة.
ولهذا يرتب الله عليه حصول الثواب، والنجاة من العقاب، ولولا دخول المذكورات ما حصلت آثاره.
وهو عند السلف: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
والآيات التي قُرِن الإيمان فيها بالعمل الصالح كقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧]، يفسَّر الإيمان فيها بما في القلوب من المعارف والتصديق، والاعتقاد والإنابة، والعمل الصالح بجميع الشرائع القولية والفعلية.
وكذلك لفظ: (البر) و(التقوى)، فحيث أُفرِد البر دخل فيه امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وكذلك إذا أُفْرِدت التقوى؛ ولهذا يرتب الله على البر وعلى التقوى عند الإطلاق: الثواب المطلق، والنجاة المطلقة، كما يرتبه على الإيمان.
وتارة يفسر أعمال البر بما يتناول أفعال الخير وترك المعاصي، وكذلك في بعض الآيات تفسير خصال التقوى، كما في قوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]، إلى آخر ما ذكره من الأوصاف التي تتم بها التقوى.
وإذا جمع بين البر والتقوى مثل قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢]، كان البرُّ اسمًا جامعًا لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة، وكانت التقوى اسمًا جامعًا يتناول ترك جميع المحرمات.
وكذلك لفظ (إثم) و(عدوان)، إذا قُرنت فُسِّر الإثم بالمعاصي التي بين العبد وبين ربه، والعدوان بالتَّجَرِّي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وإذا أفرد (الإثم) دخل فيه كل المعاصي التي تُؤثّم صاحبها، سواء كانت بينه وبين ربه، أو بينه وبين الخلق، وكذلك إذا أُفرد (العدوان).
وكذلك لفظ: (العبادة) و(التوكل)، ولفظ: (العبادة) و(الاستعانة)، إذا أفردت العبادة في القرآن تناولت جميع ما يحبه الله ويرضاه ظاهرًا وباطنًا، ومن أول ما يدخل فيها: التوكل والاستعانة، وإذا جُمع بينها وبين التوكل والاستعانة، نحو: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]..

طالب آخر: (...).
الشيخ: إذا أطلق البر شمل الدين كله، يجوز إذا كانت هذه اللفظة.

***

الطالب: نحو: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣]، فُسرت العبادة بجميع المأمورات الباطنة والظاهرة، وفُسِّر التوكل باعتماد القلب على الله في حصولها وحصول جميع المنافع ودفع المضار، مع الثقة التامة بالله في حصولها.
وكذلك (الفقير) و(المسكين) إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، كما في أكثر الآيات، وإذا جمع بينهما كما في آية الصدقات: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠].
فُسِّر (الفقير) بمن اشتدت حاجته، وكان لا يجد شيئًا، أو من يجد شيئًا لا يقع منه موقعًا، وفسر (المسكين) بمن حاجته دون ذلك.
ومثل ذلك الألفاظ الدالة على تلاوة الكتاب والتمسك به، وهو اتباعه، يشمل ذلك: القيامَ بالدين كله، وإذا قرنت معه الصلاة كما في قوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت: ٤٥]، وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الأعراف: ١٧٠].
كان ذكر الصلاة تعظيمًا لها وتأكيدًا لشأنها، وحثًّا عليها، وإلا فهي داخلة في الاسم العام، وهو التلاوة والتمسك به، وما أشبه ذلك من الأسماء.

طالب آخر: (...).
الشيخ: نعم يشمل كل إحسان، يشمل الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى الخلق.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، هذا وغيره، أمثلة كثيرة.

***

القاعدة الثامنة عشرة: إطلاق الهداية والإضلال وتقييدها
00:12:24

الطالب:

القاعدة الثامنة عشرة

في كثير من الآيات يخبر الله بأنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وفي بعضها: يذكر مع ذلك الأسباب المتعلقة بالعبد، الموجبة للهداية أو الموجبة للضلال، وكذلك حصول المغفرة وضدها، وبسط الرزق وتقديره

وذلك في آيات كثيرة، فحيث أخبر أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقتره على من يشاء، دل ذلك على كمال توحيده..

طالب آخر: ويقدره على..
الشيخ: يقتره، عندك يقدره؟ يعني: يضيق.
الطالب: دل ذلك على كمال توحيده وانفراده بخلق الأشياء، وتدبير جميع الأمور، وأن خزائن الأشياء بيده، يعطي ويمنع ويخفض ويرفع، فيقتضي مع ذلك من العباد أن يعترفوا بذلك، وأن يعلقوا أملهم ورجاءهم به في حصول ما يحبون منها، وفي دفع ما يكرهون، وألا يسألوا أحدًا غيره، كما في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» إلى آخره.
وفي بعض الآيات يذكر فيها أسباب ذلك، ليعرف العباد الأسباب والطرق المفضية إليها، فيسلكوا النافع ويدعوا الضار، كقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ٥، ١٠].
فبيِّن أن أسباب الهداية والتيسير تصديق العبد لربه وانقياده لأمره، وأن أسباب الضلال والتعسير ضد ذلك.
وكذلك قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ [المائدة: ١٦]، يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة: ٢٦]، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف: ٣٠].
فأخبر أن الله يهدي من كان قصده حسنًا، ومن رغب في الخير، واتبع رضوان الله؛ وأن الله يُضِل من فسق عن طاعة الله وتولى أعداءه من الشياطين، ورضي بولايتهم عن ولاية رب العالمين.
وكذلك قوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: ١١٠].
وكذلك يذكر في بعض الآيات الأسبابَ التي تُنال بها المغفرة والرحمة، ويُستحَق بها العذاب، كقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه: ٨٢]، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧]، إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦]، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣].
ثم ذكر الأسبابَ التي تنال بها المغفرة والرحمة، وهي خصال التقوى المذكورة في هذه الآية وغيرها: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة: ٢١٨]، وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [الإسراء: ٤٥].

الشيخ: هذه الآية عظيمة؛ يعني لو قال لنا قائل: أنا أرجو رحمة الله، وأخاف عذاب الله، ننظر هل هو من هؤلاء المتصفين بهذه الصفات؟ إن كان ذلك فهو صادق، وإن كان غير ذلك فإنه ممن تمنى على الله الأماني؛ لأن الله قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة: ٢١٨]، أما تيجي تقول: أنا أرجو رحمة الله ولا تصلي، ما يصير هذا، فالذي يرجو رحمة الله حقيقة لا بد أن يسعى لها.

***

الطالب: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٤]، وأعم من ذلك كله قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: ١٣٢].
فطريق الرحمة والمغفرة سلوك طاعة الله ورسوله عمومًا، وهذه الأسباب المذكورة خصوصًا، وأخبر أن العذاب له أسباب متعددة، وكلها راجعة إلى شيئين: التكذيب لله، والتولي عن طاعة الله ورسوله، كقوله تعالى: لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الشمس: ١٥، ١٨]، إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه: ٤٨].
وكذلك يذكر أسباب الرزق، وأنه لزوم طاعة الله ورسوله، والسعي الجميل مع لزوم التقوى، كقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣].
وانتظار الفرج والرزق، كقوله: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق: ٧].
وكثرة الذكر والاستغفار: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود: ٣]، واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [نوح: ١٠، ١١] الآية.
فأخبر أن الاستغفار سبب يُستجلب به مغفرة الله ورزقه وخيره، وضد ذلك سبب للفقر والتيسير للعسرى؛ وأمثلة هذه القاعدة كثيرة، قد عرفت طريقها، فالزمه.

القاعدة التاسعة عشرة: خَتْم الآيات بأسماء الله الحسنى
00:20:54

القاعدة التاسعة عشرة

خَتْم الآيات بأسماء الله الحسنى يدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم الكريم.

وهذه قاعدة لطيفة نافعة، عليك بتتبعها في جميع الآيات المختومة بها، تجدها في غاية المناسبة، وتدلك على أن الشرع والأمر والخلق كله صادر عن أسمائه وصفاته.

الشيخ: شوف القاعدة التاسعة عشرة: خَتْم الآيات بالأسماء الحسنى يدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم الكريم، الحكم المذكور؛ يعني الذي عُقِّب بالاسم، يدل على أن له تعلقًا بذلك الاسم، عرفتم؟ مثل: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]، فإن قطع اليد يتناسب مع عزة الله وحكمته، عرفتم؟ فهذه أيضًا يمكن المؤلف يشير لها بعدين.
إذا ختمت الآية باسم من أسماء الله فإن حكم ذلك يتعلق بما يدل عليه ذلك الاسم.

***

الطالب: وتدلك على أن الشرع والأمر والخلق كله صادر عن أسمائه وصفاته، ومرتبط بها.
وهذا باب عظيم من معرفة الله، ومعرفة أحكامه من أجل المعارف وأشرف العلوم.
تجد آية الرحمة مختومةً بأسماء الرحمة، وآيات العقوبة والعذاب مختومة بأسماء العزة والقدرة والحكمة والعلم والقهر.
ولا بأس هنا أن نتتبع بعض الآيات الكريمة في هذا، ونشير إلى مناسبتها بحسب ما وصل إليه علمنا القاصر، وعبارتنا الضعيفة، ولو طالت الأمثلة هنا؛ لأنها من أهم المهمات، ولا تكاد تجدها في كتب التفسير إلا يسيرًا منها.
فقوله تعالى: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٩].
ذكرُ إحاطة علمه بعد ذكر خلقه للأرض والسماوات يدل على إحاطة علمه بما فيهما من العلوم العظيمة، وأنه حكيم حيث وضعها لعباده، وأحكم صنعها في أحسن خلق وأكمل نظام، وأن خلقه لها من أدلة علمه، كما قال في الآية الأخرى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
فخلقه للمخلوقات من أكبر الأدلة العقلية على علمه، فكيف يخلقها وهو لا يعلمها؟
ولما ذكر كلامَ الملائكة..

طالب آخر: (...)؟
الشيخ: إي، قلنا: هذا (...) ليس بخط المؤلف.

***

الطالب: ولما ذكر كلامَ الملائكة حين أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة، ومراجعتهم لربهم في ذلك، فلما خلق آدم وعلمه أسماء كل شيء، وعجزت الملائكة عنها وأنبأهم آدم بها: قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: ٣٢]، فاعترفوا لله تعالى بسعة العلم، وكمال الحكمة، وأنهم مخطئون في مراجعتهم في استخلافه في الأرض.
وفي هذا: أن الملائكة على عظمتهم وسعة معارفهم بربهم اعترفوا بأن علومهم تضمحل عند علم ربهم، وأنه لا علم لهم إلا منه، فختم هذه الآيات بهذين الاسمين الكريمين، الدالين على علم الله بآدم، وتمام حكمته في خلقه، وما يترتب على ذلك من المصالح المتنوعة: من أحسن المناسبات.
وأما قوله عن آدم: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧].
وختمه كثيرًا من الآيات بهذين الاسمين بعد ذكر رحمته ومغفرته، وتوفيقه وحلمه، فمناسبته جَلِيَّة لكل أحد، وأنه لما كان هو التواب الرحيم، أقبل بقلوب التائبين إليه، ووفقهم لفعل الأسباب التي يتوب عليهم ويرحمهم بها، ثم غفر لهم ورحمهم، فتاب عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة والأسباب، وتاب عليهم ثانيًا حين قبل مثابهم، وأجاب سؤالهم، ولهذا قال في الآية الأخرى: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨]؛ أي: أقبل بقلوبهم عليه، فإنه لولا توفيقه وصرف قلوبهم إلى ذلك لم يكن لهم سبيل إلى ذلك، حين استولت عليهم النفس الأمارة فإنها لا تأمر إلا بالسوء، إلا من رحم الله، فأعاذه منها ومن نزغات الشيطان.
ولما ذكر الله النسخ أخبر عن كمال قدرته وتفرده بالملك، فقال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٠٦، ١٠٧].
وفي هذا رد على من أنكر النسخ كاليهود، وأن نسخه لِمَا ينسخه من آثار قدرته وتمام ملكه، فإنه تعالى يتصرف في عباده، ويحكم بينهم في أحكامه القدرية وأحكامه الشرعية، فلا حجر عليه في شيء من ذلك، ولما قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]؛ أي: واسع الفضل، وواسع الملك، جميع العالم العلوي والسفلي داخل في ملكه، ومع سعته في ملكه وفضله فهو محيط علمه بذلك كله، ومحيط علمه بالأمور الماضية والمستقبَلة، ومحيط علمه بما في التوجه إلى القِبْلة المتنوعة من الحكمة..

الشيخ: إلى القِبَل.
الطالب: إلى القِبَل المتنوعة من الحكمة.
طالب آخر: (...).
الشيخ: أيش بعد؟
الطالب: (...).
الشيخ: بما في التوجه إلى القِبْلة؟ فيه عندك إلى القبلة المتنوعة؟ أنا عندي: إلى القِبَل المتنوعة، القِبَل جمع قِبْلَة، كحكم جمع حكمة، والمعنى أن الناس كانوا في أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة يصلون إلى بيت المقدس، فهو قبلة، ثم نسخ إلى بيت الله الحرام فصار قبلة، فلله الحكمة في كونه سبحانه وتعالى أقرهم أو أذن لهم أو شرع لهم في أن يصلوا إلى بيت المقدس أول ما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم نسخ ذلك.

***

الطالب: ومحيط علمه بنيات المستقبلين لجهة من الجهات إذا أخطؤوا قبلة معينة، فحيث تيمم المصلي تيمم إلى وجه ربه.
وأما قول الخليل وإسماعيل، عليهما السلام، وهما يرفعان القواعد من البيت: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧]، فإنه توسل إلى الله بهذين الاسمين إلى قبول هذا العمل الجليل، حيث كان الله يعلم نياتهما ومقاصدهما، ويسمع كلامهما، ويجيب دعاءهما، فإنه يراد بالسميع في مقام الدعاء -دعاء العبادة ودعاء المسألة- معنى المستجيب، كما قال الخليل في الآية الأخرى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم:٣٩].

الشيخ: إذن، هذه فائدة إذا جاء اسم الله السميع في مقام الدعاء، سواء جاء على المسألة أو جاء على العبادة، فهو بمعنى الإجابة أو الاستجابة، فمنه في دعاء العبادة: سمع الله لمن حمده، فإن الحامد يدعو الله سبحانه وتعالى بعبادته، فمعنى: سمع الله لمن حمده؛ أي: استجاب إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم:٣٩]، هذا دعاء المسألة، فمعنى سميع؛ أي: مجيب الدعاء.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، إذا كان في مقام الدعاء فهو بمعنى الاستجابة، وإلا لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران: ١٨١] هذا مقيد، ومع ذلك فهو (...).
طالب: (...).
الشيخ: إذا جاء لفظ السميع في مقام الدعاء -سواء كان دعاء مسألة أو دعاء عبادة- فهو بمعنى الاستجابة.

***

الطالب: وأما خَتْم قوله: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْبقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩]، أي: فكما أن بعثك لهذا الرسول فيه الرحمة السابغة، ففيه تمام عزة الله وكمال حكمته، فإنه ليس من حكمته أن يترك الخلق سدى عبثًا، لا يرسِل إليهم رسولًا، فحقق الله حكمته ببعثه؛ لئلا يكون للناس على الله حجة، والأمور كلها؛ قدريها وشرعيها، لا تقوم إلا بعزة الله، ونفوذ حكمه.
وقد يكتفي الله بذكر أسمائه الحسنى عن التصريح بذكر أحكامها وجزائها، لينبه عباده أنهم إذا عرفوا الله بذكر الاسم العظيم، عرفوا ما يترتب عليه من الأحكام.
مثل قوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ، لم يقل: فلكم من العقوبة كذا، بل قال: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٠٩]؛ أي: فإذا عرفتم عزته، وهو قهره وغلبته، وقوته وامتناعه، وعرفتم حكمته، وهو وضعه الأشياء مواضعها، وتنزيلها محالها، أوجب لكم الخوف من البقاء على ذنوبكم وزللكم؛ لأن من حكمته معاقبة من يستحق العقوبة: وهو المصر على الذنب مع علمه، وأنه ليس لكم امتناع عليه، ولا خروج عن حكمه وجزائه، لكمال قهره وعزته.
وكذلك لما قال:إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، لم يقل: فاعفوا عنهم، أو اتركوهم ونحوها، بل قال: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]؛ يعني: فإذا عرفتم ذلك وعلمتموه، عرفتم أن من تاب وأناب فإن الله يغفر له ويرحمه، فيدفع عنه العقوبة.
ولما ذكر عقوبة السارق قال في آخرها: نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]؛ أي: عز وحكم فقطع يد السارق، وعز وحكم فعاقب المعتدي شرعًا وقدرًا وجزاء.
ولما ذكر مواريث الوَرَثَة وقدرها قال: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١١].
فكونه عليمًا حكيمًا يعلم ما لا يعلم العباد، ويضع الأشياء مواضعها، فاخضعوا لما قاله، وفصَّله في توزيع الأموال على مستحقيها، الذين يستحقونها بحسب علم الله وحكمته، فلو وَكَلَ العبادَ إلى أنفسهم، وقيل لهم: وزعوها أنتم بحسب اجتهادكم لدخلها الجهل والهوى، وعدم الحكمة وصارت المواريث فوضى، وحصل بذلك من الضرر ما الله به عليم، ولكن تولاها وقسمها بأحكم قسمة وأوفقها للأحوال، وأقواها للنفع، ولهذا من قدح في شيء من أحكامه، أو قال: لو كان كذا وكذا فهو قادح في علم الله وفي حكمته، ولهذا يذكر الله العلم والحكمة بعد ذكر الأحكام، كما يذكرها في آيات الوعيد ليبين للعباد أن الشرع والجزاء مربوط بحكمته، غير خارج عن علمه.
ويختم الأدعية بأسماءٍ تناسب المطلوب، وهذا من الدعاء بالأسماء الحسنى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، أي: تعبَّدوا لله بها، واطلبوه بكل اسم مناسب لمطلوبكم.
وقوله تعالى: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج: ٥٩].
والآيات المتتابعة التي بعدها، كل واحدة ختمت باسمين كريمين، فالأول منها..

طالب آخر: حَلِيمٌما عندنا.
الشيخ: لا، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ.
الطالب: فالأول منها هذه..
الشيخ: هذه أيضًا ثمان آيات كلها ختمت باسمين من أسماء الله، في سورة الحج، معكم المصحف؟ في آخرها آخر ثمن منها.
طالب: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ [الحج: ٦٠].
طالب آخر: (...).
الشيخ: وأيش اللي قبلها، لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج: ٥٨، ٥٩]، هذه واحدة، اللي بعده، ثنتان، عد، الآيات اللي بعدها؟
الطالب: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [الحج: ٦٠].
الشيخ: هذه ثنتان، اللي بعده؟
الطالب: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج: ٦١].
الشيخ: هذه ثلاثة.
الطالب: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: ٦٢].
الشيخ: هذه أربعة.
الطالب: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [الحج: ٦٣].
الشيخ: خمسة.
الطالب: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحج: ٦٤].
الشيخ: ستة.
الطالب: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحج: ٦٥].
الشيخ: سبعة، (...)، سبع في اثنين بأربعة عشر، كل آية مختومة؛ يعني ما في القرآن آيات متتابعة ختمت باثنين من أسماء الله، هذه سبع آيات متتابعة، كل آية ختمت باسمين من أسماء الله.
طالب: ما كررت هذه؟
الشيخ: ما كررت.

***

الطالب: والآيات المتتابعة التي بعدها، كل واحدة ختمت باسمين كريمين، فالأول منها ختمها بالعلم والحلم يقتضي علمه بنياتهم الجميلة، وأعمالهم الجليلة، ومقاماتهم الشامخة، فيجازيهم على ذلك بالفضل العظيم، ويعفو ويحلم عن سيئاتهم فكأنهم ما فعلوها.
وختم الثانية بالعفو الغفور، فإنه أباح المعاقبة بالمثل، وندب إلى مقام الفضل، وهو العفو وعدم معاقبة المسيء، وأنه ينبغي لكم أن تتعبدوا لله بالاتصاف بهذين الوصفين الجليلين لتنالوا عفوه ومغفرته.

طالب آخر: (...)؟
الشيخ: للاتصال.

***

الطالب: وختم الآية الثالثة بالسميع البصير، يقتضي سمعه لجميع أصوات ما سكن في الليل والنهار، وبصره بحركاتهم على اختلاف الأوقات وتباين الحالات.
وختم الآية الرابعة بالعلي الكبير؛ لأن علوه المطلق وكبرياءه وعظمته ومجده، تضمحل معها المخلوقات ويبطل معها كل ما عبد من دونه؛ وبإثبات كمال علوه وكبريائه، يتعين أنه هو الحق وما سواه باطل.
وختم الآية الخامسة باللطيف الخبير، الدالين على سعة علمه وخبرته بالبواطن، كالظواهر، وبما تحتوى عليه الأرض من أصناف البذور وألوان النباتات، وأنه لطيف بعباده، حيث أخرج لهم أصناف الأرزاق، بما أنزله من الماء النَّمير، والخير الغزير.
وختم الآية السادسة بالغني الحميد، بعد ما ذكر ملكه في السماوات والأرض، وما فيهما من المخلوقات، وأنه لم يخلقها حاجة منه لها، فإنه الغني الغِنَى المطلق، ولا ليتكمَّل بها، فإنه الحميد الكامل، وليدلهم على أنهم كلهم فقراء إليه من جميع الوجوه؛ وأنه حميد في أقداره، حميد في شرعه، حميد في جزائه، فله الحمد المطلق ذاتًا وصفات وأفعالًا.
وختم السابعة بالرءوف الرحيم، أي أن من رأفته ورحمته تسخيره المخلوقات لبني آدم وحفظ السماوات والأرض وإبقاءها لئلا تزول، فتختل مصالحهم.
ومن رحمته سخر لهم البحار لتجري في منافعهم ومصالحهم، فرحمهم حيث خلق لهم المسكن، وأودع فيه كل ما يحتاجونه، وحفظه عليهم وأبقاه.
ولما ذكر في سورة الشعراء قصص الأنبياء مع أممهم، ختم كل قصة بقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ٦٨]، فإن كل قصة تضمنت نجاة النبي وأتباعه، وذلك برحمة الله ولطفه، وإهلاك المذنبين له، وذلك من آثار عزته.
وقد يتعلق مقتضى الاسمين بكل من الحالتين، فإنه نجى الرسول وأتباعه بكمال قوته وعزته ورحمته، وأهلك المكذبين بعزته وحكمته، ويكون ذكر الرحمة يقتضي عِظم جرمهم، وأنه لولا أن جرمهم تعاظم وسدوا على أنفسهم أبواب الرحمة ولم يكن لهم طريق إليها، لما حل بهم العقاب.
وأما قول عيسى عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنهم عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨].
ولم يقل: أنت الغفور الرحيم، فإن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، وإنما هو مقام غضب وانتقام ممن اتخذه إلها مع الله، فناسب ذكر العزة والحكمة، فصار أولى من ذكر الرحمة.

طالب آخر: (...)؟
الشيخ: لا، هذه من كيسك.
الطالب: (...).
الشيخ: عقاب المذنبين؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: (فإنه نجى الرسول وأتباعه بكمال قوته وعزته ورحمته، وأهلك المكذبين بعزته وحكمته)، هذه؟

***

الطالب: مقامات الرجاء: أن يذكر أسباب الرحمة وأسباب العقوبة، ثم يختمها بما يدل على الرحمة، مثل قوله: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ١٢٩].
وقوله: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: ٧٣].
وإليها ينتهي كل من وُجِد فيه أدنى سبب من أسباب الرحمة، وبهذا يخرج من النار من كان في قلبه أدنى حبة خردل من الإيمان، ولنقتصر على هذه الأمثلة، فإنه يعرف بها صفة الاستدلال بذلك.


الشيخ: الخلاصة هذه، الآن، أن تتضمن هذه القاعدة -في الحقيقة- قاعدتين، أو قاعدة واحدة لها وجهان؛ الأول أن ختم الآية باسم من أسماء الله تعالى لا يكون إلا مناسبًا لذلك الحكم بالحكم الذي ختم بهذين الاسمين، مثل، يعني أبرز مثال لذلك: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨].
وقد مر عليكم اعتراض الأعرابي على القارئ الذي قرأ: (نكالا من الله والله غفور رحيم)، ولا يخرج عن هذه القاعدة شيء إلا لسبب، مثل: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنهم عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨]، قد يقول قائل: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، لكن لما كان هنا المقام مقام عزة وكمال تصرف إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنهم عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
فهؤلاء لهم حالات؛ إما عذاب، وإما رحمة ومغفرة، فلهم ما تقتضيه العزة والحكمة لعنادهم واستكبارهم، والحاصل أنه لا يخرج عما تدل عليه الآية من الحكم إلى شيء من أسماء الله ليس مناسبًا لذلك الحكم إلا لسبب وفاعل.
الوجه الثاني من هذه القاعدة، أو القاعدة الثانية، أن ختم الآية باسم من أسماء الله يدل على أن الحكم مطابق لذلك الاسم، فهذا الوجه غير الوجه الأول، فمثلا: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْكان الإنسان يتوقع أن يقال: ستسقط عنهم العقوبة، لكنه لم يقل هكذا، وإنما قال: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]؛ أي: فقد سقط عنهم الحد بمقتضى مغفرة الله ورحمته.
ومن ذلك قوله تعالى في الْمُولِي: فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]؛ لأن فيأهم إلى زوجاتهم مما يحبه الله ويكون سببًا للمغفرة والرحمة، وأما عزمه الطلاق فهو أمر ليس محبوبًا إلى الله، ولهذا قرنه بما يفيد، أو يشير إلى نوع من العقوبة، فقال: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، هذا هو مجمل هذه القاعدة.
طالب: (...) المعرف بأل أو غير المعرف؟
الشيخ: المعرف بأل يدل على ملاحظة أصل الصفة، مثل الفضل والعفاف، مثل: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ٢٠٠]، وفي آية أخرى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦]، فالآيتان سواء في اللفظ وفي كل شيء، إلا في التعريف في سميع وعليم، فتكون الآية الأولى لوحظ فيها مطلق الصفة، والثانية لوحظ فيها كمال الصفة.
طالب: (...).
الشيخ: لا يجوز، إذا بلغت الحدود السلطان فلا بد من إقامتها، وتحرم الشفاعة فيها.
الطالب: (...)؟
الشيخ: تهم بس؟
طالب: تهم أو (...)؟
الشيخ: إذا حقق يجب أن يقام عليه -مع احترامي يا أخي- ما يقتضيه الفعل في الجريمة.
طالب: (...)؟
الشيخ: ولو لم يعط، إلا لو جاء هذا الرجل تائبًا ونادمًا، فإن للإمام أن يسقط عنه الحد أو العقوبة، له أن يسقط عنه العقوبة، وأما الحد فلا بد من إقامته.

***

القاعدة العشرون: القرآن كله محكم باعتبار، وكله متشابه باعتبار، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث
00:53:14

الطالب:

القاعدة العشرون

القرآن كله محكم باعتبار، وكله متشابه باعتبار، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث

وقد وصفه الله تعالى بكل واحدة من هذه الأوصاف الثلاثة، فوصفه بأنه محكم في عدة آيات، وأنه: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١].
ومعنى ذلك: أنه في غاية الإحكام ونهاية الانتظام فأخباره كلها حق وصدق لا تناقض فيها ولا اختلاف، وأوامره كلها خير وبركة وصلاح، ونواهيه متعلقة بالشرور والأضرار والأخلاق الرذيلة والأعمال السيئة فهذا إحكامه.
ووصفه بأنه متشابه في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر: ٢٣]، أي: متشابهًا في الحسن والصدق والحق، ووروده بالمعاني النافعة المزكية للعقول، المطهرة للقلوب، المُصلحة للأحوال، فألفاظه أحسن الألفاظ ومعانيه أحسن المعاني.
ووصفه بأن مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: ٧]، فهنا وصفه بأن بعضه هكذا أو بعضه هكذا، أو أن أهل العلم بالكتاب يردون المتشابه منه إلى المحكم، فيصير كله محكمًا، ويقولون: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]؛ أي: وما كان من عنده فلا تناقض فيه فما اشتبه منه في موضع فسره الموضع الآخر المحكم، فحصل العلم وزال الإشكال.
ولهذا النوع أمثلة، منها ما تقدم من الإخبار بأنه على كل شيء قدير، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فإذا اشتبهت على من ظن به خلاف الحكمة وأن هدايته وإضلاله يكون جزافًا بغير سبب وضحت هذا الإطلاق الآيات الأُخَر الدالة على أن هدايته لها أسباب، يفعلها العبد، ويتصف بها، مثل قوله: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلام [المائدة: ١٦].
وأن إضلاله لعبده لها أسباب من العبد، وهو توليه للشيطان، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنهم اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّه [الأعراف: ٣٠].
فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥].
وإذا اشتبهت على الجبري الذي يرى أن أفعال العباد مجبورون عليها، بينتها الآيات الأُخَرُ الكثيرة الدالة على أن الله لم يجبر العباد، وأن أعمالهم واقعة باختيارهم وقدرتهم، وأضافها إليهم في آيات غير منحصرة.
كما أن هذه الآيات التي أضاف الله فيها الأعمال إلى العباد حسنها وسيئها، إذا اشتبهت على القدرية النفاة، فظنوا أنها منقطعة عن قضاء الله وقدره، وأن الله ما شاءها منهم ولا قدرها، تليت عليه الآيات الكثيرة الصريحة بتناول قدرة الله لكل شيء من الأعيان والأعمال والأوصاف، وأن الله خالق كل شيء.
ومن ذلك: أعمال العباد، وأن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين.
وقيل للطائفتين: إن الآيات والنصوص كلها حق، ويجب على كل مسلم تصديقها والإيمان بها كلها، وأنها لا تتنافى فهي واقعة منهم وبقدرتهم وإرادتهم، وأن الله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم.
وما أجمل في بعض الآيات فسرته آيات أُخَر، وما لم يتوضح في موضع توضح في موضع آخر.
وما كان معروفًا بين الناس وورد فيه القرآن آمرًا أو ناهيًا، كالصلاة والزكاة والزنى والظلم، ولم يفصله، فليس مجملًا؛ لأنه أرشدهم إلى ما كانوا يعرفون، وأحالهم على ما كانوا به متلبسين، فليس فيه إشكال بوجه، والله أعلم.

الشيخ: هذه القاعدة، فبين فيها المؤلف أن القرآن وصفه الله تعالى بأنه مُحْكَم، وبأنه متشابه، وبأنه جامع بينهما محكم ومتشابه، فعلى المعنى الأول: محكم؛ أي: مُتْقَن، فأخباره صِدْق، وأحكامه عدل.
لأن الخلل في الخبر يكون بمخالفة الصدق، والخلل في الحكم يكون بمخالفة العدل؛ ولهذا قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥].
إذن، كله محكم من هذا الوجه، محكم أي أيش؟ متقن في أخباره، وفي أحكامه، ففي أخباره نقول: كلها صدق ليس فيها كذب، وفي أحكامه: كلها عدل ليس فيها جور ولا ظلم بوجه من الوجوه.
ونزيد أيضًا -بالنسبة لشريعة الإسلام المحمدية- أن أحكامه كلها يسر، ليس فيها مشقة، كما قال الله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧].
وصفه بأنه متشابه؛ أي: يشبه بعضه بعضًا في الكمال، والجودة، في الأسلوب، في البلاغة، في الصدق، في العدل، في النفع، في كل شيء، فبعضه يشبه بعضًا لا يخالفه أبدًا ولا يناقضه.
(...) بين أمرين؛ الإحكام والتشابه، فمعنى الإحكام هنا: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ [آل عمران: ٧].
أي: واضحات، جليات، فالإحكام هنا بمعنى الإيضاح والبيان، والمتشابه: هو الخفي؛ خفي المعنى الذي لا يتبين وجه صوابه إلا للراسخين في العلم؛ ولهذا قال: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧]؛ يعني: وأما الراسخون في العلم فيقولون: آمنا به، ويعلمون منه ما يخفى على غيرهم، وهنا محط النزاع، ومحك الأفكار، وموضع الاختبار، فإن من الناس من إذا رأى مثل هذه النصوص المتشابهه التي ظاهرها يخالف بعضًا، أخذ منها سببًا للطعن في القرآن الكريم، وقال: إن هذا القرآن يتناقض.
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، ثم يقول: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، إذا كان سميعًا بصيرًا فقد ماثل من له سمع وبصر، إذن فيه اشتباه.
وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٦]، يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢]، ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢]، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦].
فمثل هذه الآيات يقول قائل: شوف هذا تناقض؟ هم قالوا: وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، ويقول في الآية الأخرى: وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًاوالذي حلف أنه مشرك كاتم ولَّا لا؟ كاتم، بل حالف على ذلك: والله ما أشركت، وهو كاذب، فهذا تناقض.
من يقول هذا؟ الذين في قلوبهم زيغ يقولون هذا.
هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ [المرسلات: ٣٥] مع أن الله ذكر في آيات أخرى أنهم ينطقون وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢] إذن هذا، أيش؟ تناقض، يقول ذلك من في قلبه زيغ، فتجد الزائغين -والعياذ بالله- يتبعون هذا المتشابه، إذن نقول: هو على هذا المعنى أو على هذا الوجه الثالث المحكم: ويش تعريفه؟ الواضح البين، والمتشابه: الخفي الذي لا يتبين إلا للراسخين في العلم.
فإن قلت: ما الحكمة في أن الله عز جل يجعل هذا؟ لماذا لم يكن القرآن كله محكمًا ظاهر المعنى بيّنًا؟
قلت: الحكمة في ذلك الامتحان والاختبار؛ لأن الزائغين يتخذون من ذلك مطعنًا للقرآن ليبرروا لأنفسهم الكفر به والعياذ بالله، وأما الراسخون في العلم فيتخذون من هذا بيانًا للحكمة، حكمة الله عز وجل في جعل القرآن على هذين الوجهين محكمًا ومتشابهًا حتى يحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
وهذا كما نراه الآن في الشرع أو في كلمات الله الشرعية يكون أيضًا في كلمات الله الكونية، قد يأتي رجل إلى صاحب قبر ويقول: يا ولي الله، يا سيدي، يا مَلْجَئِي يا مُسْتغاثي، أنقذ ولدي من المرض، فإذا ذهب إلى البيت وجد ولده قد برئ، فيه اشتباه أن الذي أجاب دعوته هذا الولي صاحب القبر، لكن عندما يأتي مثل هذه الحال إلى الراسخين في العلم يقولون: لا يمكن أن يكون هذا من صاحب القبر؛ لأن صاحب القبر هو الله؟! دون الله، والله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [النحل: ٢٠]، لاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ [الأعراف: ١٩٢]، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥].
فيقول الراسخون في العلم: نحن نعلم علم اليقين أن هذا ليس من دعاء هؤلاء، ولكنه فتنة من الله عز وجل، حصل عند دعاء هؤلاء، لا بدعاء هؤلاء.

***

01:07:43
القاعدة الحادية والعشرون: القرآن يجري في إرشاداته مع الزمان والأحوال في أحكامه الراجعة للعرف والعوائد
الطالب:

القاعدة الحادية والعشرون

القرآن يجري في إرشاداته مع الزمان والأحوال في أحكامه الراجعة للعرف والعوائد

وهذه قاعدة جليلة المقدار، عظيمة النفع، فإن الله أمر عباده بالمعروف، وهو ما عرف حسنه شرعًا وعقلًا وعرفًا، ونهاهم عن المنكر، وهو ما ظهر قبحه شرعًا وعقلًا وعرفًا.
وأمر المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصفهم بذلك.
فما كان من المعروف لا يتغير في الأحوال والأوقات كالصلاة والزكاة، والصوم والحج، وغيرها من الشرائع الراتبة، فإنه أمر به: في كلٌ في وقت، والواجب على الآخِرِين نظير الواجب على الأولين من هذه الأمة، وما كان من المنكر لا يتغير كذلك بتغير الأوقات كالشرك والقتل بغير حق والزنا وشرب الخمر ونحوها، ثبتت أحكامه في كل زمان ومكان، لا تتغير ولا يختلف حكمها.
وما كان يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال، وهو المراد هنا.
فإن الله تعالى يردهم فيه إلى العرف والعادة والمصلحة المتعينة في ذلك الوقت.
وذلك أنه أمر بالإحسان إلى الوالدين بالأقوال والأفعال، ولم يعين لعباده شيئًا مخصوصًا من الإحسان والبر؛ ليعم كل ما تجدد من الأوصاف والأحوال، فقد يكون الإحسان إليهم في وقت غير الإحسان في الوقت الآخر، وفي حق شخص دون حق الشخص الآخر.
فالواجب الذي أوجبه الله: النظر في الإحسان المعروف في وقتك ومكانك، في حق والديك.
ومثل ذلك: ما أمر به من الإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب ونحوهم، فإن ذلك راجع في نوعه وجنسه وأفراده إلى ما يتعارفه الناس إحسانًا.
وكذلك ضده من العقوق والإساءة..

طالب آخر: (...)؟
الشيخ: إذا كان بمعنى المغاير فهو بالفتح، وإذا كان بمعنى المتأخر فهو بالكسر، اليوم الآخر؛ يعني المتأخر، وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ [التوبة: ١٠٦]؛ يعني: مغايرون لهؤلاء.
الطالب: ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ [الشعراء: ١٧٢]؟
الشيخ: الآخرين دي غيرها، غير هؤلاء.

***

الطالب: ومثل ذلك: ما أمر به من الإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب ونحوهم، فإن ذلك راجع في نوعه وجنسه وأفراده إلى ما يتعارفه الناس إحسانًا.
وكذلك ضده من العقوق والإساءة ينظر فيه إلى العرف.
وكذلك قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ١٩]، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٢٨]، فرد الله الزوجين في عشرتهما وأداء حق كل منهما على الآخر على المعروف المتعارف عند الناس في قطرك وبلدك وحالك.
وذلك يختلف اختلافًا عظيمًا، لا يمكن إحصاؤه عدًّا.
فدخل ذلك كله في هذه النصوص المختصرة، وهذا من آيات القرآن وبراهين صدقه، وقال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١]..

طالب آخر: (...) قريب معين من القرابة (...) يكفيه هذا؟
الشيخ: يعني إذا تعارف الناس أن هذه صلة هذا الرجل، أن هذه صلته، يكفي؛ لأن الله أمر بالصلة وأطلق، فيرجع فيها إلى ما سماه الناس صلة؛ لأن المقصود من الصلة زوال ما في القلوب وائتلاف القلوب، فإذا كان هذا الرجل قد وطّن نفسه على أن صاحبه أو قريبه لا يزوره إلا في يوم العيد أو في الأسبوع أو ما أشبه ذلك ما صار قطيعة.
طالب: شيخ قلنا قبل: (...) يعني يعتبر هذا أفضل من اللي لا يزورون كل مرة، لكن ربما (...)؟
الشيخ: لا، ما يكفي هذا، إذا قيل: إن هذا مقصر في الصلة؛ فهذا تقصير، أما إذا قال: لا، هذه عادة الناس، بعض الناس عاد ما ييجي أبدًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، ما يخالف، ما فيه شيء، ما دام أنه أطلق صلة، ويكفي ما عده الناس صلة فهو صلة، أما ما كان قطعًا لا يأتي إليهم أبدًا، ولا بمناسبات، ولا يعرفهم، ولو مرضوا أو ماتوا ما يدري عنهم، هذه قطيعة.
طالب: (...)؟
الشيخ: راجع في نوعه وجنسه؟ النوع يختلف: فيه أحد تصله بدراهم، وهنا أحد تصله بثوب، وهنا أحد تصله بقلم، حسب الأفراد، حسب الجنس، لو تيجي مثلًا لواحد كبير عظيم غني تروح تعطيه مئة ريال؟ ويش يسوي؟ يدفعك على وجهك، ولو تعطيها قريبًا فقيرًا صار يقول: الله يعافيك.
والأول يمكن لو تجيب له طاقية زينة مزخرفة ومنقشة يكون هذا صلة ولَّا لا؟ أي نعم، وهي ما تسوى عشرة آلاف، فلكل مقام مقال، هذا معنى قوله: نوعه وجنسه وأفراده.
طالب: (...).
الشيخ: لا، لا، ما دل الشرع على تحريمه فهذا لا يمكن؛ يعني لو أن الناس قالوا: نحن تعارفنا بأن ابنة العم تصافح ابن عمها بيدها، ولو قالت له: هذا حرام، وكفت يدها لزعل وغضب، ويش نقول؟ الشيء الذي نص الشرع على تحريمه ما يمكن أن يتواصل الناس به أبدًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: المهم إذا كان الذي يعتبرونه صلة محرمًا في الشرع فهذا لا عبرة له.

***

الطالب: وقال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١]، يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا [الأعراف: ٢٦]، فأمر عباده بالأكل والشرب واللباس، ولم يعين شيئًا من الطعام والشراب واللباس، وهو يعلم أن هذه الأمور تختلف باختلاف الأحوال، فيتعلق بها أمره حيث كانت، لا ينظر إلى ما كان موجودًا منها وقت نزول القرآن فقط.
وكذلك قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠]، ومن المعلوم أن السلاح والقوة الموجودة وقت نزول القرآن غير نوع القوة الموجودة بعد ذلك، فهذا النص يتناول كل ما يستطاع من القدرة في كل وقت بما يناسبه ويليق به.
وكذلك لما قال تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: ٢٩]، لم يعين لنا نوعًا من التجارة ولا جنسًا، ولم يحدد لنا ألفاظًا يحصل بها الرضا، وهذا يدل على أن الله أباح كل ما عد تجارة ما لم ينه عنه الشارع، وأن كل ما حصل به الرضا من الأقوال والأفعال انعقدت به التجارة، فما حقق الرضا من قول أو فعل، انعقدت به المعاوضات والتبرعات، وكم في القرآن من هذا النوع شيء كثير.

***

القاعدة الثانية والعشرون: في مقاصد أمثلة القرآن
01:20:00

طالب آخر:
بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى:

القاعدة الثانية والعشرون

في مقاصد أمثلة القرآن

اعلم أن القرآن الكريم احتوى على أعلى وأكمل وأنفع المواضيع التي يحتاج الخلق إليها في جميع الأنواع، فقد احتوى على أحسن طرق التعليم، وإيصال المعاني إلى القلوب بأيسر شيء وأوضحه.
فمن أنواع تعاليمه العالية: ضرب الأمثال، وهذا النوع يذكره الباري في الأمور المهمة، كالتوحيد، وحال الموحد، والشرك، وحال أهله، والأعمال العامة الجليلة، ويقصد بذلك كله توضيح المعاني النافعة، وتمثيلها بالأمور المحسوسة؛ ليصير القلب كأنه يشاهد معانيها رأي عين، وهذا من عناية الباري بعباده ولطفه.
فقد مثّل الله الوحي والعلم الذي أنزله على رسوله في عدة آيات بالغيث والمطر النازل من السماء، وقلوب الناس بالأراضي والأودية، وإن عمل الوحي والعلم في القلوب كعمل الغيث والمطر في الأراضي، فمنها: أراضٍ طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ والعشب الكثير، كمثل القلوب الفاهمة التي تفهم عن الله ورسوله وحيه وكلامه، وتعقله، وتعمل به علمًا وتعليمًا بحسب حالها؛ كالأراضي بحسب حالها.
ومنها أراضٍ تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، فينتفع الناس بالماء الذي تمسكه فيشربون ويسقون مواشيهم وأراضيهم، كالقلوب التي تحفظ الوحي من القرآن والسنة وتلقيه إلى الأمة، ولكن ليس عندها من الدراية والمعرفة بمعانيه ما عند الأولين، وهؤلاء على خير، ولكنهم دون أولئك، ومنها أراضٍ لا تمسك ماءً ولا تنبت..

طالب آخر: المعنى يا شيخ؟
الشيخ: لأن هؤلاء الآخرين بمنزلة الصيادلة، والأولين بمنزلة الأطباء، ومعلوم أن انتفاع الناس بالأطباء أكثر من انتفاعهم بالصيادلة، فحُفَّاظ الحديث مثلًا ورواة الحديث الذين ليس عندهم فقه وعلم هم بمنزلة هؤلاء، مثل الأرض التي يصيبها المطر، لكنها لا تنبت إنما تحفظ الماء، فمن جاء استقى وشرب وانتفع، وأما أهل العلم والفقه فإنهم كالأراضي الخصبة التي تنبت فينتفع الناس بها.

***

الطالب: ومنها: أراضٍ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، كمثل القلوب التي لا تنتفع بالوحي لا علمًا ولا حفظًا ولا عملًا، ومناسبة الأراضي للقلوب كما ترى في غاية الظهور.
وأما مناسبة تشبيهه الوحي بالغيث فكذلك؛ لأن الغيث فيه حياة الأرض والعباد وأرزاقهم الحسية، والوحي فيه حياة القلوب والأرواح ومادة أرزاقهم المعنوية.
وكذلك مثّل الله كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فكذلك شجرة التوحيد ثابتة بقلب صاحبها معرفة وتصديقًا وإيمانًا وإرادة لموجبها، وتؤتي أكلها -وهو منافعها- كل وقت من النيات الطيبة والأخلاق الزكية، والأعمال الصالحة، والهدْي المستقيم، ونفع صاحبها وانتفاع الناس به، وهي صاعدة إلى السماء بإخلاص صاحبها وعلمه ويقينه.
ومثّل الله الشرك والمشرك بأن من اتخذ مع الله إلهًا يتعزز به، ويزعم منه النفع ودفع الضر في ضعفه ووهنه، كالعنكبوت اتخذت بيتًا، وهو أوهن البيوت وأوهاها، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا إلى ضعفها.
كذلك المشرك ما ازداد باتخاذه وليًّا ونصيرًا من دون الله إلا ضعفًا؛ لأن قلبه انقطع عن الله، ومن انقطع قلبه عن الله حلّه الضعف من كل وجه، وتعلقه بالمخلوق زاده وهنًا إلى وهنه، فإنه اتكل عليه وظن منه حصول المنافع، فخاب ظنه وانقطع أمله، وأما المؤمن فإنه قوي بالله بقوة إيمانه وتوحيده وتعلقه بالله وحده، الذي بيده الأمر والنفع ودفع الضرر، وهو متصرف في أحواله كلها، كالعبد الذي على صراط مستقيم في أقواله وأفعاله، منطلق الإرادة حرًّا عن رق المخلوقين، غير مقيد لهم بوجه من الوجوه، بخلاف المشرك فإنه كالعبد الأصم الأبكم الذي هو كَلٌّ على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير؛ لأن قلبه متقيد للمخلوقين مُسْتَرق لهم، ليس له انطلاق وتصرف في الخير، فمثله أيضًا كالذي خر من السماء فتخطفته الطيور ومزقته كل ممزق.
وهؤلاء الذين زعموا أنهم آلهة ينفعون ويدعون، لو اجتمعوا كلهم على خلق أضعف المخلوقات، وهو الذباب، لم يقدروا باجتماعهم على خلقه، فكيف ببعضهم؟! فكيف بفرد من مئات الألوف منهم؟!
وأبلغ من ذلك أن الذباب لو يسلبهم شيئًا لم يقدروا على استخلاصه منه ورده، فهل فوق هذا الضعف ضعف؟ وهل أعظم من هذا الغرور الذي وقع فيه المشرك شيء؟ وهو مع هذا الغرور وهذا الوهن والضعف متقسِّم قلبه بين عدة آلهة، كالعبد الذي بين الشركاء المتشاكسين، لا يتمكن من إرضاء أحدهم دون الآخر، فهو معهم في شر دائم وشقاء متراكم، فلو استحضر المشرك بعض هذه الأحوال الوخيمة لربأ بنفسه عمّا هو عليه، ولعلم أنه قد أضاع عقله ورأيه بعدما أضاع دينه، وأما الموحّد فإنه خالص لربه، لا يعبد إلا إياه ولا يرجو و يخشى إلا هو، وقد اطمأن قلبه واستراح، وعلم أنه على الدين الحق، وأن عاقبته أحمد العواقب، ومآله الخير والفلاح والسعادة الأبدية، فهو في حياة طيبة، ويطمع في حياة أطيب منها.
ومثَّل الله الأعمال بالبساتين، فذكر العمل الكامل الخالص له الذي لم يعرض له ما يفسده كبستان في أحسن المواضع وأعلاها، تنتابه الرياح النافعة، وقد ضَحَى وبرز للشمس، وفي خلاله الأنهار الجارية المتدفقة، فإن لم تكن غزيرةً فإنها كافيةٌ له كالطلّ الذي ينزل من السماء، ومع ذلك فأرضُه أطيب الأراضي وأزكاها، فمع توفر هذه الشروط لا تسأل عما هو عليه من زَهاءِ الأشجار وطيب الظلال ووفور الثمار، فصاحبه في نعيم ورغد متواصل، وهو آمن من انقطاعه وتلفه، فإن كان هذا البستان لإنسان قد كبر وضعف عن العمل، وعنده عائلة ضعاف لا مساعدة منهم ولا كفاءة، وقد اغتبط به حيث كان مادته ومادة عائلته، ثم إنه جاءته آفة وإعصار أحرقه وأتلفه عن آخرهم.